جلست والخوف بعينيها.. تتأمل فنجاني المقلوب..
يتنهد في ظلام غرفته ، وهو يمسك بكوب اليانسون الساخن يدفيء يديه المرتعشتين به دون أن يشربه.
قالت يا ولدي لاتحزن .. فالحب عليك هو المكتوب..
تعالت نهنهته وهو يحاول أن يكتمها كي لا يسمعه أحد . فماذا ستفعل أمه إن سمعته..فقط تبكي الى جواره ، وتأخذ رأسه في صدرها ، فيزداد انهياره. إنه ليس ما يحتاجه الآن.
استعاد كلمات الأغنية في ذهنه.. أهو الحزن أم الحب هو المكتوب؟ ..
ضحك ساخرا.. آه لهؤلاء الشعراء والمغنين ..إنهم يأخذونك الى الشجن وربما الدمع للاشيء ..
لاتحزن فالحب عليك هو المكتوب ..هههه ، ما هذا الخواء
يعود بذاكرته وتترائى له أم محبوبته حين قتلت حبه بقرار زينته بكل كلمات الأسى والشفقة والمثالية "..ولكن يجب أن أكون واقعية ، وأبحث عن مصلحة ابنتى .. الا توافقني يا بني؟"
- "بالتأكيد أوافق سيدتي ؛فلست الآن من قبلتموه وهو يزهو بحيويته ومرحه ونجاحه ووسامته..أين ذلك من هذا الأعرج الذي حل محله!..وضاع الحب وسط كلمات المثالية والتضحية ؛ وياله من تناقض."
أغمض عينيه وعلا صوته محدثا نفسه.."الحمد لله ..الحمد لله!"
"إنني لازلت أعمل بنجاح ..لي قيمتي في الحياة.. لازال عقلي يفكر ويفيد.. فيجب أن اكون سعيدا إذن!"
سكت وهو لا يقتنع بما يردد .. كأنه يحشر الرضا الى قلبه فيأبى تماما أن يتسع له.
يفتح عينه فجأة ليجدها جالسة على حافة السرير الى جواره..
- أمي! متى دخلتي؟
- لم تدرِ بي يا بني .. كنت تحدث نفسك.
-لا عليك حبيبتي ، فقط كنت أفكر في...
- شششش ..لا تكذبني الحديث يا عمرو فقد سمعتك.
- أمي انني بخير أرجوكِ لا داعي ل...
تقاطعه : - أنت في الحقيقة بخير حقا .. وحالك أفضل من الكثيرين ؛ لكنك – للأسف تأبى أن ترى ذلك !
- أمي ..من فضلك!
- لقد أطعتك طويلا وتركت هذا الحديث يا بني ، لكن لا أستطيع أن أدعك أكثر من ذلك .
يهم بمقاطعتها ، فتسكته بإشارة من يدها وتقول :- إنه حقي عليك أن تسمعني. أليس كذلك؟
يستسلم ممتعضا : - فليكن ..تفضلي ..
- يا بني! إحسبها كما كنت دوما تفعل.. ضع جدولا وصُف فيه بنود حياتك كلها . غبدأ بمأكلك ومسكنك .. عملك ونجاحك .. عقلك وذكائك .. محبة الناس إن استطعت أن تراها ، فإن لم تستطع فعلى الأقل عدم محاربتهم لك. اكتب أيضا كل ما تراه أسودا . ثم ضع درجة لكل بند حسب أهميته ، واحسب كم لك من الدرجات اكتب جدولين ببنودك قبل الحادث وبعده ، وانظر هل اختلفت درجاتك بينهما مع اختلاف البنود؟!
إبتسم في مرح حقيقي وهو يقول : - أمي! إنك تتكلمين كسيدة أعمال لا كامرأة لم تعرف طوال حياتها الا بيتها ومطبخها هههه!
تضحك في ضعف : - ربما هي بصيرة الشيوخ التي تنكرونها في فورة شبابكم يا فتى..
أكملت وقد عادت الجدية ترتسم على وجهها :- بعد أن تكمل جدوليك ، أريدك أن تصنع جدولا آخر لا يخصك ..
هم بالسؤال فقاطعته مكملة : - تعرف يا عمرو ما أعنيه ، ولكنك تنكره أو تهرب منه. إصنع جدولا لأميرتك .. ولا تنس أن تضع في بنوده أن حياتها قد تقلصت في كيفية التزين والتصنع ؛ لتتصيد عريسا تحسدها عليه زميلاتها .
عض شفتيه وهو يسمعها تسترسل : - كنت أنت يوما ما ذلك الصيد لها. وكنت أراك راضيا بذلك وأعجب أين ذهب ذكاؤك! .. لكن سكت لما رأيت سعادتك وخشيت ان تراني أفسد حياتك فأخسرك.
تتنهد وتكمل :- ما علينا! أرصد درجاتها وقارنها بدرجاتك ولترَ أيكما يعلو على الآخر ..وانظر لأمرها في أي جدوليك سيكون سلبا وفي أيهما ايجابا..
قامت من مجلسها ، ووضعت يدها على كتفه وهي تقبل جبينه "سأدعك في ظلام غرفتك كيفما تشاء، لكنني لن أستطيع أبدا أن أدعك في ظلام نفسك أكثر من ذلك."
تابع خطواتها الثقيلة تدب الأرض خارجة من باب غرفته.."لكأن الأرض تقول لدبيبها سمعا وطاعة"
إبتسم للفكرة ، وقد حط الهدوء على صدره ، وفكر : ما أعظم هذه المرأة! لطالما أعجبته حكمتها وادارتها لبيتها كأنما لو وضعت بين يديها دولة كاملة لأحسنت إدارتها.. أتته فكرة غريبة ابتسم لها.. أتكون جينات الوراثة هي السبب الحقيقي وراء نجاحه في مجال الأعمال؟ وضحك
لكن سماءك ممطرة وطريقك مسدود
فحبيبة قلبك يا ولدي ساكنة في قصر مرصود
إنتبه للأغنية فضحك وضحك حتى دمعت عيناه ..ياللشعراء
"والله يا أمي إنك لعلى حق"
قام من مكانه مستندا على عكازه ، واتجه الى زر النور ففتحه وهو لايزال يضحك
تررررررررررررن
- آلو
-يا هلا زهرة .. كيف حالك؟
-الحمد لله.. كيف حالك أنت اليوم؟ هل أنت مشغول؟
- لماذا؟
- كنت أريد مراجعة بعض الأوراق معك قبل تقديمها في اجتماع الغد .. هل أستطيع أن آتيك أم وراءك ما يشغلك؟
لا.. لقد انتهيت توا.. كان ورائي بعض الجداول ساعدتني أمي على انهائها.
- أمك!
- هههه.. لا عليك! لا عليك! ..يمكنك الحضور الآن .. ثم انك أيضا .. أوحشتني!