ستفهمون حالا ما أعنيه؛ لكن دعوني أسترسل فأنا أحتاج للفضفضة أنا كاتب له الكتابة عشق دام قرابة ربع القرن لكنه لم ينشر حرف مما كتب.
ذات يوم، استطعت الوصول إلى أحد الكتَّاب المعروفين، دعوني لا أعرِّفكم من هو، كي لا تصدموا، أعطيته رواية لي، أردت أن يقول لي رأيه، وطمعت أن يكتب لي تقديم، يكون ليّ تعزيز أمام الناشرين، الذين اعتادوا أن يخذلوني دوما برفض أعمالي.
لاقت روايتي نجاحاً لم أكن أحسب أن أجده يوما لنتاج قلمي. بالطبع فهمتم الأمر.. نعم.. لقد تغيَّر فيها فقط اسم الكاتب، فاستحقت النشر، و النجاح. قررت بعد ذلك أن أوثِّق حقي في كل ما أكتبه؛ لكنني فوجئت بما يحتاجه ذلك من مصروفات، ورسوم، ليس لي طاقة بها؟وإذاً أكتب، وأكتب، وأكتب... وأدفن كل ما أكتبه في حجرتي.
لي الآن ابنان، أحدهما تخرج في كلية عسكرية، وبدأ حياته العملية، والثاني في آخر أعوام دراسته. أعتقد أنني استطعت تأدية رسالتي كأب معهما تماما. خاصة، وقد استراحت أمهما من هموم الحياة منذ بضع سنوات. لم يبقَ ليّ الآن إلا العودة لأوراقي، محاولاً أن أنبش قبرها، وأن أعيدها للنور.
هذه المسابقات!.. هل هي عادلة حقا؟لم يعد هناك كثير وقت للتساؤل.. يجب أن أجد ما يناسبني من شروط للمشاركة، قبل أن يفوت العمر، وينتهي. هذه.. ما هذا التعسف؟! إن كنت أملك نشرها، فما حاجتي للاشتراك في مسابقتكم؟!
هذه أيضا تشترط النشر، وتضع حدا للسن أيضا!
هذه.. إنها شديدة التواضع، وتبدو كمسابقة للتلاميذ.
ها هي. تبدو ليّ جيدة.. ولا تشترط النشر، ولا السن. إذاً، فلتكن هذه.
عدت إلى أوراقي أختار منها. أردت ألاّ أضع أقوى ما كتبت.. أردت أن أحتفظ لنفسي بفرصة أخرى.ووجدت ضالتي. أخذت أٌقلب صفحاتها حتى أتممتها، قررت مراجعتها بمزيد من خبرة السنين، وفعلت.. وأرسلتها. مرت شهور حتى يئست من ظهور النتيجة، ثم جاءتني رسالة.. لم أصدق. أنا مرشح لمركز متقدم في المسابقة! إنه الأمل.. الأمل.. الأمل!
أخفيت الخبر حتى عن أبنائي، فلم يكونا ليهتما بالأدب قط.. وربما خفت أن يسخرا مني، وأنا أسعى وراء المسابقات، بعد أن ابيضَّ شعري.لكن إن اكتمل القمر، وحصلت على الجائزة، فعندها فقط سيحترمان أكوام الورق المخزنة بأدراجي، ويعرفون كم هي ثرية.
أيام أخرى تمر، وأنا أشعر بقلق لم أعشه حتى وقت صراخ زوجتي للمخاض. أغمض عيني، فأراني أحمل شهادة التقدير بفرح، يغلب فرحتي بأول وليد لي. أرى كتابي بعين خيالي مطبوعاً، وقد كُتب عليه "الفائز بجائزة......"
الهاتف يدق.. إنه صديقي. يقول لي أن رسالة جاءته تخبره بترشيحه لمركز متقدم بنفس المسابقة. لم أعرف أنه يكتب القصص من قبل!
- كيف يا بني؟ نعم أقول له "يا بني"، فإنه صديق في الثقافة، والأدب؛ لكنه يصغرني كثيرا. ضحك وقال: - إنها مفاجأة! لكن لو حدث، فسوف تكون صاحب الفضل فيها يا عمي الجميل.. ادعِ لي.
أدعو لك! وجمت، أحسست بفرحتي تسحب من صدري، ويحل محلها برودة رهيبة تخنق قلبي. سارعت بأخذ دواء القلب تحت لساني. ومرت الأيام التالية، وأنا لا أكف عن ابتلاع أقراص المهدئ، التي أعطانيها الطبيب، ليسيطر على ضغطي المرتفع.
دق الهاتف، وقبل أن أنطق، كان صوته يأتيني مجلجلا، مستبشرا: - بارك ليّ يا عمي، لقد فزت!
كاد قلبي أن يتوقف.. أمسكت صدري بحركة تلقائية خشية القادم..
- متى ظهرت النتائج؟ - منذ ساعة مضت.. أنا بالمركز الأخير في الجوائز الكبرى الخمس.. هذا يكفيني، والحمد لله. سألته بحذر: - هل عرفت من سبقوك بالمراكز الأخرى؟ - لا أعرف أحداً منهم.. لا يهم من سبقني أنا سعيد يا عمي، لقد أكملت مهر عروسي؛ كان أبوها يهددني بفسخ الخطبة. أشفقت عليه، وبدأت أحس بالفرح له؛ لكن سؤال هاجمني.. - لكنك يا بني لم تكتب القصص يوما، فكيف فعلتها؟ ضحك عاليا، وأجاب: - ألم أقل لك أن الفضل لك إن فزت.. أتذكر تلك القصة التي كتبتها عني، وخطيبتي؟ تلك التي أعطيتها لي، وقلت أنها هدية زواجي منك، لأن أغلى ما تملكه هو كلماتك؟
كدت أصرخ فيه "أيها اللص.. هذا تحايل.. تزوير.. سرقة لحقي.. لفرحتي.. كنت فقط أريد الفرحة، وليس المال الذي أنت به فرِح". بالطبع لم أقل كلمة واحدة من ذلك. كان ألم القلب يهاجمني بشدة.. سكين يشق صدري بقسوة.. حاولت الوصول إلى الدواء، فلم أستطع، وأظلمت الدنيا.
أفقت.. فوجدتني بالمستشفى، ولداي بجانبي. فهمت من الحديث أن لي مدة ليست بالقصيرة في غيبوبتي. انتبهت، والطبيب يسألني عما حدث؟أجبته: - لقد سُرقت!
بابتسامة لا تحمل أي معنى قال: - فداك!
نظرت له باستخفاف.. أي فداء يتكلم عنه؟!.. إنها فرحتي ما قد سُرق مني.. فرحة انتظرتها عمري بأكمله. دخل صديقي الفائز من الباب، ومعه خطيبته. جاءا ليزوراني.. ربت على كتفي، وهو يقول: - عمي! جئت أطمئن عليك.. لماذا لم تخبرني باشتراكك في تلك المسابقة؟
ابتسم ابتسامة واسعة، وهو يطلعني على ما ظنه البشرى: - لقد حصلت أيها القاص على المركز السادس بها. سخرت منه في نفسي، أيبشرني بكوني أول الخاسرين! فتحت فمي لأقول له.... لست أدري ما انتويت قوله حينئذ، لكنني لمحت خاتميهما، وقد انتقلا إلى يديهما اليسريين.. فأغلقت عيني، وادعيت النوم.
هكذا تعارفنا
كانت كالطفلة المشاكسة التي تتقافز بين الزهور. تعليقاتها على كتاباتي كانت تغيظني في البداية؛ لكن مع الوقت أصبحت أبحث عنها، وأتساءل إن تأخرت. مهما جاءني من ردود تحمل القيمة التي أبتغيها من وراء وضع كلماتي على تلك الصفحات أظل غير مكتف بمن يخاطبون عقلي وأبحث عن كلماتها الساذجة التي وحدها تصل إلى قلبي.
سنة كاملة مرت وقد أدمنت انتظارها، وهي بدورها لم تبخل بريي بمرحها ملء قلبي بكلماتها. لم أفق إلا وأنا أراسلها على خاص المنتدى. لم أتعد حدود الأدب قط؛ بل كان مجرد توجيه لها فيما تكتبه من أقصوصات تحتاج الكثير جدا لتصبح قصصا.
أدمنت هي الأخرى تصويبي لكتابتها، واتسع مجال الحديث بيننا أكثر.
كانت الخطوة التالية-وبحجة المناقشات الأدبية-هي انتقالنا إلى برامج المحادثة (الشات). لا أنسى يوم علقت لها على رد كتبته في موضوع لأحد الشباب. يبدو أنني فضحت نفسي وقتها.. ولم ترد.
أيام مضت وهي لا تظهر على برنامج المحادثة. أستطيع القول أنني حمدت ربي أنها اختفت، فعدت بكل كياني إلى زوجتي. حاولت أن أحبها كعاشق لا كزوج مضى على زواجه عشر سنوات. خرجنا كثيرا.. تشابكت أيدينا في ذلك ال"كازينو" على شاطئ النيل.. اشتريت لها عقد الفل الذي كانت تعشقه أيام خطبتنا..
كنت أتذكر ما قاله إحسان عبد القدوس للمرأة إن أرادت احتواء رجلها "فاستنفذي ماله ووقته ورجولته". أنا من كنت أفعل ذلك بنفسي. جعلت كل وقتي مشغولا معها، ولجأت إلى جسدها لأغرق فيه رجولتي؛ أما المال فلم يكن مشكلة فهو بالفعل محدود هههه.
أسبوعان أو أكثر قليلا مرا هكذا، وأنا أظن أنني بالفعل قد نجحت فيما أردت. عدت إلى صفحاتي وكتبت كلمات جديدة، وضعت بها كل ما أوهمت به نفسي من سعادة وحب قد تجدد.
وجاء ردها.. قصير جدا؛ لكنه قصفني كألف مدفع. قالت:
"لأول مرة أستاذي أشعر كلماتك مفتعلة غير صادقة.. اعذر صراحتي"
زلزت.. أسرعت إلى برنامج المحادثة لكن لم أجدها. أرسلت عليه رسالة كي تراها وقت تدخل.. كلمة واحدة "أوحشتِني". هذه المرة كان انهيارا.
دقائق.. فقط دقائق، وردت عليّ "أنا هنا"
تبادلنا الاعتراف بالحب. قلت لها كلمات لم أقلها منذ زمن بعيد، وكتبت ليّ كلمات لم أقرأ لها مثلها قط.
***
الصديق
كعادة الشباب – ولا زلت أعتبر نفسي منهم، فلم أكمل الأربعين بعد- تلاقيت بالكثيرين من المنتدى وتعارفنا. ومنهم كان هذا الفتى الأشقر طيب القلب. كان من هؤلاء الناس القليلين الذين يرون دوما نصف الكوب الممتلئ. لدية التفسير الطيب لأسوأ الحوادث، ويرى بصيص الأمل وراء أحلك الصور. رغم انه يصغرني بأعوام كثيرة إلا أننا تقاربنا وأصبح صديق حقيقي لي.
ذات يوم تكلمت معها عن لقاء لي معه، وأسهبت في الحديث. كان حديثا مرحا وحكايات طريفة؛ لكنني فوجئت بها تقطعه
"كفى حديثا عنه إن سمحت".
أحسست بدمي يغلي وسألتها ما الأمر.
وكانت الطامة. قد صارحها بحبه. لم يكن حبه لها هو المصيبة؛ لكن كانت مقارنتي لنفسي به هي الألم الأكبر.
ما أبعدني عن مكانه الذي يتفق مع مكانها تماما، وما أبعده عن قلبها الذي احتللته أنا تماما.
هذه المرة كنت أنا من غبت، توقفت عن دخول المحادثة، وتوقفت عن دخول المنتدى. قضيت وقتي أراهما معا وأرى مدى توافقهما سنا وظروفا.. وأراني شديد البعد عن ذلك. لكن كانا يومين فقط... وعدت.
كانت قد أرسلت لي صورتها.. لكم هي جميلة. أعادتني صورتها بعد يومين بلا مزيد من المقاومة.
إن زوجتي هي الأخرى لا تقل جمالا، بل ربما تفوقها رغم فارق السن بينهما. إنها أيضا تتدفق أنوثة، وحنانا. لا أجد فيها نقيصة تجعلني أنجذب لغيرها؛ لكن ما حيلتي مع هذا القلب المتقلب..
ربما كان عيب زوجتي أنها ترضى بما أمنحها من حب. تفرح إن زدتها، وترضى حين أنقصها. ربما لو كانت اعترضت على انحدار منحنى غرامي بها بعد ذلكما الأسبوعين لأنقذتني مما أنا فيه؛ لكنها وللأسف لم تفعل.
بعد فترة أخرى، باح لي صديقي بسر قلبه،اشتكى لي صدها. لست أدري كيف استطعت رسم الاندهاش على وجهي وأنا أقول له:
-إنك لا تعرفها. أتحب مجرد كلمات؟!
بالطبع اندفع يحاضرني عن كون الكلمات تظهر محتوى النفس أكثر من ألف نظرة إلى وجه من أمامك. أخذ يقنعني بما أنا بالفعل غارق فيه؛ ورغم ذلك أستنكر ما يقول، وأدعي التعقل.
كنت أطلب منها التوقف عن لين الكلام معه، وكانت تضحك.. وكانت تحب غيرتي. هي أيضا كانت غيورة. لكم عنفتني لردي على فتيات أخريات بمجاملات بدت لها أرق مما يجب. بل حتى ما كن يعلقن لي به كانت تلومني أنا عليه. أحببت غيرتها كثيرا أنا أيضا.
***
الوجوم
قرر الفتى أن يطلبها للزواج. عنفته حتى أذهله تعنيفي. لم أمنع نفسي حتى من التشكيك بها
- من أدراك أنها فتاة على خلق؟ ألا ترى تبسطها مع الجميع؟
- لا بل هي براءتها مع الجميع.
- أنت لا تعرفها
- سأعرفها.. أمامنا فترة الخطبة.
حرت معه فاتخذت منحى آخر
- هل تعتقد أن أهلها سيقبلون بك لمجرد أن لديك وظيفة وشقة؟
- ولم لا أجرب؟ لماذا أحرم نفسي من احتمال السعادة؟ لم لا أغامر من أجل أمل قد يتحقق؟
وددت أن أصرخ فيه "وتخسر صديقك وتحطم قلبه؟" لكن صرختي لم تتعد ما بين أضلعي.
في تلك الليلة حكيت لها عما قرره، وبالطبع أخفيت ما قلته عنها- فأنا لم أقصده-
أرسلت تسألني:
- وما رأيك؟
غضبت حتى خشيت أن تلحظ زوجتي احمرار وجهي وهي جالسة تتابع التلفاز.
- أتسألين أم تستفزينني؟
أحسست بروح الوجوم تسيطر على محادثتنا بعدها. استيقظت فكرة النهاية والسؤال الذي وأدناه منذ البداية " ثم ماذا؟"
***
زوجتي
ترقت زوجتي مديرة لقسمها بالعمل. جمع زملاؤها مبلغا وأحضروا لها حاسوبا محمولا هدية لهذه المناسبة.
لاحظت أنها أصبحت تجلس إلى حاسوبها كثيرا فعلقت لها على ذلك. فردت ببساطة أنها شاركت في منتدى وبدات تتفاعل فيه كثيرا.
بحزم قلت: - كيف تشتركين في مثل تلك المواقع دون استشارتي
اندهشت حد الصدمة
- أي مواقع؟! إنها منتديات كتلك التي تشارك فيها أنت قبلي!
أسقط في يدي، فكيف أقول لها شيء وهي تعلم تماما أنني أفعل ضده. لكنني عاندت
- ربما تؤدي تلك المنتديات ببعض ضعاف النفوس إلى علاقات غير صحية.
ضحكت تلك الضحكة التي طالما أحببتها
- أفي سني هذا تخشى عليّ؟! ثم إن الحوار كله علنيا أمام كل الأعضاء.
في إصرار قلت:
- لكن هناك رسائلاً خاصة.
أشارت بيدها وهي لا تزال تحتفظ بابتسامتها
- حسنا سأغلق الرسائل الخاصة.
أحسست عند ذلك بشيء من الاطمئنان وسكت. لكنها لم تسكت
- قل لي يا حبيبي.. كيف تغلق الرسائل؟
- ....
رفعت حاجبيها وهي تسألني:
- ألست مغلقها؟
احمر وجهي، ولم أجد أمامي إلا أن أجيبها بذلك الجواب الذي يجرحها
- لست امرأة.
ابتلعت الكلمة ولم تناقشها. دوما كانت حكيمة تعرف أين تتوقف عن الجدل وتتقي الخلاف. بالفعل أنا أحبها وأجدها زوجة مثالية تماما.
غيرت مجرى الحديث سائلا:
- في أي منتدى اشتركتِ؟
- هو منتدى نسائي يهتم بالديكور والموضة والمطبخ الخ
ارتحت كثيرا لذلك.
***
هل..
اليوم عدت لأجد زوجتي جالسة في وجوم وقد أطبقت حاسوبها ووضعته بجانبها. منذ فترة طويلة ليست هذه عادتها. سألتها عما بها فردت:
- لا شيء.. فقط مللت.
لم تقنعني إجابتها. هل دخلت على حسابي الخاص للمحادثة؟ هل عرفت شيئا؟. تذكرت سريعا أن كل ذلك ليس على حاسوبها فهدأت وقلت لها:
- لست طبيعية أبدا
- ليس هناك شيء. هي مجرد رسالة ضايقتني قليلا، سأقوم لتجهيز العشاء.
جذبت يدها لمنعها من الذهاب
- أي رسالة؟
حدقت في بدهشة وقالت:
– ما بك؟
كان الغضب قد بدأ يشتعل بداخلي
- قلتِ أنك ستلغين استقبال الرسائل.
- ألغيتها بالفعل؛ لكن صديقاتي طلبن مني استقبال رسائلهن فاضطررت لفتحها.
أمسكت حاسوبها أفتحه، فصاحت:
- ماذا تفعل؟
ضغطت أسناني وأنا أقول لها
- أليس من حقي أن أرى تلك الرسالة التي ضايقت زوجتي؟!
بالطبع فطنت إلى شكي. أخذت الحاسوب من يدي بهدوء وهي تقول
- حسنا.. سأفتحها لك
دخلت على المنتدى فوقع قلبي
- ليس هذا منتدى نسائيا!
- نعم، هو منتدى أكتب فيه خواطري.
- وكيف وصلتي إليه؟
- صاحباتي على المنتدى النسائي يكتبن به.
كانت قد فتحت صندوق رسائلها. وكانت الرسالة منها.. من حبيبتي!
كانت تحكي لها تفاصيل علاقتنا. حكت لها عن ذلك الآخر الذي يريد الزواج منها. حكت أيضا عما لم تحكه له، عن إصرار أبويها على خطبتها لابن عمتها.
أخذت ألتهم السطور وهي تتابعني في عتاب صامت دامع. حين انتهيت لم استطع الكلام.
- أشككت فيّ
- آسف.. بالتأكيد لا.
- هذه الرسالة ذكرتني باعتراضك على دخولي إلى المنتديات. أحسست أنك كنت على حق.
نظرت إليها حائرا. تمنيت أن أقول لها "لست هذا الملاك الذي تحسبين". سقطت من عينها دمعة.. لكأنها تغسل بمائها وجه ضميري الذي نام طويلا. هي نادمة وهي لم تخطئ
وأنا..
هل سأستطيع الندم؟
أذكر ذلك اليوم جيدا. كنت قد عدت متأخرا فتوقعت ان يكون الأبناء نائمين. فتحت الباب بهدوء، ودخلت إلى مخدعي. تحررت من رباط العنق الذي يخنقني، وجلست على الكرسي أخلع حذائي. رفعت عيني إليها، كانت نائمة؛ لكن ليست كالملاك. الملائكية بعيدة تماما عن تكوينها.. جميلة؛ بل رائعة الجمال. هذا الجسد الذي نحتته الأنوثة ليكون عنوانا لها، وهذا الوجه المتورد الذي لم تراه عينا رجل إلا وتمنتا أن يكون ملكا لهما. يتماوج شعرها الأسود الحريري الطويل ليحتضن وجهها وجسدها حتى أسفل خصرها في إغراء عجيب.
يوما ما تمنيتها كما لم أتمنَ شيئا في حياتي. وجاهدت لأصل إلى حلمي.. ووصلت. تأخرت قليلا نعم؛ لكن في النهاية وصلت.
شرحت لها كثيرا كيف أحب جيلان منذ التحقت بكليتي في سنتها الأولى وأنا في سنتي النهائية. كيف منعني فقري وقتئذ عن الاجتراء على خطبتها. إن كان غيري قد قطفها فالخطأ مني أنا.
- وها هي قد أصبحت في متناولي مرة أخرى، فأرجوكِ يا أمي أن تساعديني.
حاولت أمي أن تصل لسبب طلاقها، سألت معارفها وأوصتهم إن علم أحد شيئا أن يدلها. لكن هيهات .. فمن من معارفها البسطاء كان له أن يعرف عن تلك الأميرة!
حين تقدمت لخطبتها كان قد مر على طلاقها ثلاثة أشهر تماما؛ انتظرتهم يوما وراء يوم. كذلك كان زفاف طليقها بعد أسبوع.
نسيت أن أعرفكم بنفسي. أنا ناصر، رجل أعمال معروف. وقت هذه الحكاية كان عمري اثنين وأربعين، لكن وقت أن تقدمت لجيلان كنا أصغر بعشر سنوات. وكنت شابا ناجحا بدأت عملي الخاص الذي استقر، وأصبح يدر عليّ دخلا يكفي لحياة كريمة. بالطبع ليس بمقاييس جيلان وأبيها؛ لكن كان الأهم أنني كنت شابا وسيما طويلا لي جسد رياضي. لي عينان عسليتان تناسبان شعري الكستنائي الناعم. باختصار كنت رد اعتبار مناسب جدا لهم أمام طليقها. لم أهتم بتلك الفكرة وقتها. بل وجدت أنني من استغللتها للوصول إلى أمل عمري الذي لم أكل يوما عن الحلم به.
أفقت من ذكرياتي عليها تتقلب، وتفتح جفنيها في كسل
- تأخرت.
قالتها واستدارت لتكمل نومها.
أتأمل ثوبها.. تعشق الثياب التي تكشف جمالها.. إنها تجيد التزين كخبيرة.
عشر سنوات، وطفلان، أحدهما ابني والأخرى ابنة زوجها الأول، لم يؤثروا في جمالها إلا بزيادته. اقتربت منها، وهممت ان أضع يدي حول خصرها.. تراجعت. كم مرة أفعلها وتظل نائمة أو مدعية النوم؟!
حسنا.. حتى وإن أيقظتها فالفرق ليس كبيرا.
تذكرت يوم قابلت سابقي – طليقها- وعرفني لا أدري كيف. أتذكر ضحكته وهو يقول لي ساخرا:
- مبروكة عليك..ثم يضغط حروفه وهو يكمل – اشـ بـ ع بها.
مدت يدها إليّ بها، وأكملت نومها. كانت تلك الفتاة التي تلح عليّ لتوظيفها منذ أيام وأنا أحاول رفضها بلباقة. ماذا أقول لها فمظهرها غير لائق نهائيا. ليس بها من الجمال إلا بقايا ما تركت النساء ورائهن. وهي لا تعنى بإظهار أي جمال بها. تبدو أمامي كجندي.
- آسفة للاتصال الآن؛ لكن طلبت مني الاتصال اليوم لمعرفة ردك الخير بشأن توظيفي، ولم أستطع الاتصال قبل ذلك.
طرأت في رأسي فكرة وأنا أتأمل جيلان فقلت لها:
- حسنا.. تعالي غدا إلى مكتبي.
فكرت أن هذه الفتاة ربما تحرك فيكِ الأنثى أيتها الجميلة.
في اليوم التالي أصبحت كاعب (وهذا هو اسمها العجيب ليكتمل عجب شكلها مع غرابة الاسم) سكرتيرتي الخاصة. وقد وعدت وقتها بكل جدية أن تجعلني أشكر اليوم الذيوضعتها فيه بهذا المنصب.
شهور تمر ولم تخلف وعدها. كانت شديدة الجدية، شديدة النشاط، شديدة البشاشة أيضا. بدأت أرى ابتسامتها ساحرة.
- سنسافر الاثنين القادم يا كاعب.
- أمرك يا سيدي.
إنها لا تناقش أوامر العمل.. لا تقول لا أبدا. لكن توقعت ان ترفض السفر او على الأقل تتردد.
- ألا تخافين السفر؟
ابتسمت في ثقة ولم ترد
لها في نفسها ثقة رائعة. ربما أيضا لكونها تعلم أنني أصطحب زوجتي دائما؛ فهي – زوجتي- تعشق السياحة.
جاء يوم السفر ووصلت أنا وزوجتي إلى المطار فوجدنا كاعب في انتظارنا وقد انتهت من وزن الأمتعة وأخذ التذاكر.
كانت أول مرة تلتقيان.. فتحت جيلان عينيها مبحلقة بها، ثم التفتت إليّ وهي تتكلم من بين أسنانها في غيظ:
- ألم تجد واجهة أفضل لشركاتك؟!
ابتسمت وربت على يدها في حركة لا معنى لها، ومشيت بينهما وأنا أكاد أضحك من ذلك الإحساس كأني بين قطبي العالم المتناقضين عن يميني ويساري.
كلتاهما لم تحاول التقرب من الأخرى، أو حتى تبادل المجاملات المعتادة. ربما كان هذا أفضل.
طوال الرحلة كانت جيلان تتشاغل بمجلات التسوق على الطائرة، أو القراءة في أحدى تلك القصص الفرنسية التي تعشقها (عجبا). بينما اندمجنا أنا وكاعب في حوار لا ينتهي حول العمل وتخطيط الرحلة. كنت أجدها ترمقنا من حين لآخر، فتمنيت لو تكون خطتي قد نجحت أخيرا.
حين وصلنا إلى الفندق ذهبت الفتاة إلى حجرتها، واتجهنا إلى الجناح المحجوز لنا. بمجرد ان أغلق الخادم الباب وراءه ألقت حقيبة يدها في عصبية وقالت:
- ما هذا الشيء الذي أتيت به معنا؟
ابتسمت.. اقتربت منها محاولا تقبيلها؛ فدفعتني عنها.
- ما هذا؟ فيم أكلمك، وفيم تفكر؟!
جذبتها من ذراعها مجددا وأنا أنظر في عينيها قائلا من أعماق قلبي:
- أفكر أني أحبك.. أنك زوجتي.. كاعب مجرد سكرتيره، وهي تجيد دورها كسكرتيرة.
أكملت في سري " فهل تجيدين انت دور الزوجة؟"
قطعت أحاسيسي التي جاشت في هذه اللحظات بضحكتها العالية وهي تهز رأسها..
- معقول!.. أتظنني أغار منها؟!
- ألا تغارين أبدا يا جيلان؟
- ولماذا أغار يا حبيبي؟..
ولاحت منها التفاتة سريعة إلى المرآة جعلتني أسمع صوت عقلها
" لن يجد رجل أكثر مما عندي"
تركت ذراعها وجلست على حافة الفراش أعبث بأطراف غطائه.
- ما هي خطتك اليوم؟ فالاجتماعات ستبدأ من الغد، وأنا اليوم لكِ.
- اممممم إذن لنذهب للتسوق معا.
اغتظت من اقتراحها، فكل الأيام التالية ستذهب للتسوق وحدها. وليكن إذن اليوم لي.
- حبيبتي.. أتذكرين هذا الجناح بالتحديد؟
ردت وهي تعطيني ظهرها لتمشط شعرها بالمرآة:
- نعم طبعا .. كان جناح شهر العسل. - ضحكت -ألا زلت تذكر.. إنك رومانسي أكثر من اللازم.
نبرة ساخرة لم استطع إخفاءها سألت:
- وأنت؟
التفتت إليّ وقد احمر وجهها غضبا
- ماذا تقصد؟
ابتسمت واليأس يكاد يمتلكني، ورفعت ذراعي في وضع الاستسلام وقد قررت أن أكون أكثر مباشرة:
- لا شيء.. لا شيء على الإطلاق. ما رأيك أن تجعلي هذا اليوم ( أو ما بقى منه) لي.. لنا معا.. ثم تبدئين تسوقك من الغد؟
فكرت قليلا ثم ابتسمت
- لا مانع.. ولنقض سهرة جيدة معا
امتلأت نفسي بالأمل.. اغتسلت ولبست قميصا حريريا بلا غرور بدوت فيه كنجم سينمائي رائع. ارتدت هي أيضا ثوبا حالك الزرقة يكشف جيدها الوردي، ووضعت عقدا ماسيا حول رقبتها وبعض الوردات الماسية الصغيرة في شعرها، فبدت كأميرة أحلام الرجال جميعا.
حين عدنا كنا نضحك حتى يستند أحدنا إلى الآخر من شدة الضحك. كنت سعيدا كما لم أكن من زمن طويل. هي مرحة.. أراها دوما ضاحكة وسط صديقاتها؛ لكن هناك خطأ ما بيننا معا أتمنى أن أصححه الليلة.
أغلقت الباب والتفت إليها. كانت لا تزال تضحك وهي تخلع ثوبها. جذبتها إليّ.. ولم تمتنع.
خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها وتقول لي:
- لا تنس أن تترك لي كارت الفيزا.
أومأت برأسي دون أن أرد بينما استلقت هي بالفراش، وما هي إلا ثوان وكانت نائمة.
أغمضت عيني وضحكته الساخرة ترج رأسي وكلمته كالسياط
"اشـ بـ ع بها".
همست – رحمك الله يا أمي..
في اليوم التالي بدأت اجتماعات العمل. كنت دوما نجم تلك الاجتماعات. هذه المرة شاركني نجم آخر السطوع، كاعب، لم ينته اجتماع إلا ونظرات الإعجاب تلاحقها. ما بال هذا الرجل يكاد يهتم بها أكثر من اهتمامه بحديث العمل والمال!
أمسكت رأسي بيدي.. بل مالي أنا.. أجننت؟ أأغار عليك يا كاعب؟!
التفت إليها.. تلبس الجينز وقميص صوفي أعتقد أنه رجالي. شعرها عقصته في ما يشبه ذيل الحصان ب"استك" ملون. لكن ابتسامتها ساحرة.
التفتت إليّ في هذه اللحظة كأنما أحست بنظراتي فاحمر وجهها الأسمر – وربما وجهي أيضا- .. ما أروع حياؤها.
ابتسمت سريعا وأشرت لها أن تنتهي مع ذلك الشاب سريعا.
في هذه اللحظة فتح باب قاعة الاجتماعات وظهرت وراءه زوجتي.
- واو
كانت تلك الكلمة التي همس بها الجميع، والتي ابتسمت هي لها في اعتياد لرد الفعل هذا منذ صغرها.
أشارت لي مستأذنة فخرجت لها. كانت قد أضاعت مفتاح السيارة فأتت لتأخذ مفتاحي.. (هكذا ببساطة .. نعم.. لقد تعودت منها على ذلك)
انصرفت مشيرة للجميع وعدنا للعمل حتى تأخر الوقت وقرر الجميع الانصراف. خرجنا أنا وكاعب إلى الهواء البارد.
- ألا ترغبين في رؤية هذه المدينة؟
- بالتأكيد.. لكن ليس هناك وقت.
أخذت زوجتي السيارة.. فهل تحبين التمشي قليلا؟
ابتسمت متسائلة:
- في هذا البرد؟!
هززت كتفي وقلت:
- أحب المشي في البرد.
ابتسمت، ومشينا متجاورين وقد عقدت ذراعيها فوق صدرها مستدفئة بهما.
نزعت الكوفية عن رقبتي وأعطيتها لها، فلم تتردد وقبلتها ببساطة شديدة دون حتى كلمة شكر.
حين عدنا إلى الفندق ابتسمت قائلة:
- تصبح على خير.
نظرت في عينيها وقلت بلا صوت " كم أحب دفء عينيكِ". أومات برأسي واتجهت إلى الجناح. هزت هي كتفيها متعجبة – ربما من عجرفتي وعدم ردي التحية- واتجهت لغرفتها.
بعد العودة من تلك الرحلة، مرت أسابيع وأنا أحاول أن أنشغل بالطفلين عن احتياجي لزوجتي. لكن بقت كاعب أمامي كفيض متدفق من الحيوية.. إن لعينيها عمقا. هل تفهمون كيف يكون في عيني محبوبتك أعماق تجذبك؟
لا تتعجبوا.. نعم أقول محبوبتي.. والعجيب أن جميلتي السابقة لم تعد ذلك الأمل الذي لا أسأمه؛ بل لقد اعتدت أن أرى مفاتنها التي تجيد إظهارها دون أن أفتن، وأبت رجولتي أن ترغبها ثانية متحولة بكل وهجها إلى كاعب.
كانت الفتاة زكية، عملية، ومخلصة أيضا. وافقت على الزواج، واشترطت شرطان. ألا تعرف جيلان بالأمر، وأن الأمومة حق لها.. ووافقت.
عشت أياما لم أعشها طوال عمري مع فينوسي الجميلة. تدفقت دماء الحياة في قلبي مجددا. حتى علاقتي بجيلان أخذت طابعا أكثر مرحا. بالأصح فقد اتفقنا على دفء المرح في حياتنا العامة، وبرود العشق في حياتنا الخاصة.. فاعتدل الميزان بيننا.
أقسمت جيلان لصديقاتها أنني تغيرت كثيرا. فاخرتهم بقدرتها على تغييري، وتحويلي إلى كائن راقٍ أخيرا. وأقسمت أن صبرها قد أتى ثمرته وحصلت على السعادة التي تبتغيها.
أنا أيضا أسعدني اعتقادها وسعادتها، فلم يكن لضميري أن يئن. زواجي من كاعب أتى بالسعادة للجميع فأصبح يحق عليّ رد جميلها وإسعادها بكل ما أستطيع. كنت دوما أقول لها أنها كنز قد انفتح لي ولجيلان أيضا.. وكانت تبتهج.
أصبح لي أيضا بنت وولد من حبيبتي الجميلة. لقد تخرجوا الآن جميعا ويعملون بشركاتي. وكان عليّ أن أحفظ لكل حقه.
وزعت ما أملك على أبنائي الثلاثة وزوجتيّ حسب أنصبتهم الشرعية دون أن أخبرهم. لكن تكرر عليّ المرض مؤخرا واضطررت للبقاء كثيرا ببيت جيلان، وأنا أحتاج كاعب معي في شدتي.
أخاف كذلك أن يكون قد اقترب أجلي.. وأخاف من بطش جيلان بكاعب وابنيها. فكان يجب أن أنهي هذا الأمر في حياتي ولا يزال بي بقية من عافية وسطوة.
انتهزت فرصة كنا نحتسي الشاي بالشرفة سويا وبدأت الحديث
- جيلان.. هناك أمر هام يحتاج لأن نتكلم فيه
نظرت في ساعتها وقالت:
- فليكن لكن موعدي مع الحلاق بعد ساعة فلو أمكن فاختصر.
لم يحنقني ردها فأنا أعرف أهمية مواعيد التجميل بالنسبة لها والتي تزداد كلما تقدم بها العمر.
- اصدقيني القول حبيبتي.. هل منحتك ما تتمنين من سعادة؟
ابتسمت متعجبة من سؤالي وهزت رأسها متسائلة:
- أهذا هو الأمر الهام؟! حسنا.. ربما ليس في أول سنوات زواجنا؛ لكنك تغيرت كثيرا بعد ذلك.
صمتت لحظة كانها تؤكد قرارها
- نعم لقد عشت معك سعيدة كما تمنيت لنفسي تماما.
قلت في صوت حاولت جعله واثقا:
- إذن فقد وجدت سعادتك بعد ظهور كاعب.
- كاعب! ما هذا الشيء؟
همت بالوقوف وهي تنظر في ساعتها فأمسكت يدها
- أنت إذن تدينين بكل سعادتك لكاعب.. زوجتي الأخرى.
صرخت – من؟
قلت بتصميم: كاعب زوجتي يا جيلان مثلك تماما.. ولي منها ابن وابنة.
انطلقت تصرخ، وتسب، وتلعن الخيانة، والسنين الضائعة، والوهم الذي عاشته.
لم أفهم! سنوات وهي تقسم أنها حصلت على السعادة ونجحت في تغييري لما يناسبها. كل ذلك أصبح الآن كذبا ووهما لمجرد أنها عرفت سببه؟!
حزمت أمرها، وتركت المنزل غاضبة إلى بيت أبيها. علمت بعد ذلك أنها حين عرفت أن زوجتي هي تلك السكرتيرة التي رافقتنا يوما في السفر صدمت بشدة، واعتزلت صديقاتها خشية سخريتهن.
والآن قد تقدمت أيضا بدعوى قضائية تطلب الطلاق للضرر، وتطلب تعويضا عن الإهانة التي لحقتها كسيدة مجتمع.
لست أمانع في طلاقها إن أصرت على ذلك.. ولا حتى في دفع التعويض لها فلن يوازي نصيبها في ثروتي إن ورثتني كزوجة. فقط فليقنعني أحدكم كيف تحولت السعادة التي طالما أقسمت بها إلى ضرر ووهم، فلست أفهم هؤلاء النساء!
أنظر إليك يا أمي الآن؛ ونحن خارجتان من عيادة الطبيب. لست أذكر أهو سادس أم سابع طبيب نذهب إليه؛ لكن أخيرا قد شخص أحدهم داءكِ الحقيقي.
" ليس بمقلتيك داء سيدتي.. الأمر كله نفسي"
****
- ازاي يا ماما؟!
- ظروف شغلي يا حبيبتي
- بس يا ماما خالتو مش ماما!
- هي أطيب من ماما كمان يا حبيتي
- بس...
****
لا زلت أتذكر ذلك اليوم.
لا زلت أتذكر إصرارك على التحجج بظروف العمل.
لازلت أذكر إياد وهو يجذبني بعيدا عنك ويمسك لؤي بيده الأخرى آخذا إيانا إلى الغرفة التي خصصتها لنا أمي ( أقصد خالتي).
أجلسنا أمامه،وقال لنا:
- اسمعوا.. اللي مش عايزينا براحته ما تتحايلوش عليه.. هي مش عايزانا وخالتو عايزانا.
بكيت وقتها كثيرا. رغم اني لم أبك أمامك مطلقاً.
زفر وقتها في ضيق، وقال لي:
- مش عايز حركات البنات بتاعتك دي.. بطلي عياط
والتفت إلى لؤي الذي كان في الثالثة من عمره قائلا:
- بص يا لؤي.. ربنا غير لنا ال ماما بتاعتنا عشان يدينا ماما أطيب كتير وعايزانا معاها.
ربما لم نفهم كلام ابن الثامنة حين قاله؛ لكن مع مرور الزمن أحسسنا بكل معنى عناه.
******
- حبايبي.. شوفوا جبت لكم ايه..
كنا نقف نحن الثلاثة عند باب الغرفة ممسكين بأكف بعضنا البعض، ولا نريد التقدم إليكِ خطوة واحدة..
أذكر خالتي وهي تربت على كتفك وتقول لكِ:
- ما تزعليش.. سنتين فتره مش قليله على عيال في سنهم.
مع الوقت اعتدنا وجودك في حياتنا، لكن سرعان ما انتهت أجازتك، وخرجت منها مجددا.
مضى الأمر إلى الاعتياد في الأجازات التالية، فلم يعد جفاؤنا، ولا لهفتك المؤقتة يعنيا الكثير..
أتذكر تماما يوم سمعتِ لؤي ينادي خالتي "ماما". لقد ضحكتي وقتها، وقلتِ:
- كويس والله العيال مبسوطين معاكِ يا أميره.. يللا عشان الواحد يسافر وهو متطمن.
انتهت سنون سفرك؛ لكن طموحك لم ينتهِ. سافرتي وراء ترقياتك من محافظة إلى محافظة. وبالطبع لم يكن ممكنا أن يعتني أبي بثلاثة أطفال لا يكاد يعرف عنهم أكثر من أسمائهم.
وبالطبع.. هي خالتي (أمي) الملجأ لنا. كانت فقط أيام العطلات هي ما تجمعنا بكما.
ليس لخالتي أبناء غيرنا، وزوجها كان راضيا ب " عوض ربنا" الذي هو نحن. حتى جاء الوقت الذي استقرت ترقياتك هنا أخيرا.
كان إياد في سنته الأخيرة بالجامعة، وأنا في أول سنواتي بها، ولؤي بالثانوية، وقد اقتربت الامتحانات.
حين طلبت منك خالتي ان تدعي إياد عندها كي يكمل مشروع تخرجه، ولا يضيع وقته وجهده أغبطته. كان الانتقال مؤلما.. لم أعتد ذلك البيت ولا هذين الشخصين. لم يفهماني يوما.. لم يرقبا تحوري من طفلة إلى أنثى.. ما أبعد الاحتمال أن يدركا ماهيتي يوما!
وقد حدث ما تخوفته.. يوم جاء محمد لخطبتي، قلت لك أني أحبه، وأخبرتك عن امكانياته بصراحة، ولم تكن قليلة.
لا داعي للذكرى، ولا للوم عليكِ، فكفاكِ ما أنتِ فيه.
ربما كان إياد أقوى مني.. استطاع أن يفرض رأيه، بكل جفاف، ويتزوج بمن اختارها. بل وأجبركما – لا أدري كيف- على القيام بتكاليف زواجه كيفما أرادها!
لقد أغبطته للمرة الثانية.
بعد وفاة أبي أصبحتِ تفتقدين إياد. ورغم أنه يقطن في الشارع التالي لنا؛ إلا أنه لا يزورك إلا لدقائق بعد صلاة الجمعة. ربما كان كما تقولين دوما
" زي ما يكون خايف مراته تحس انه جالي"
والآن، ها هو لؤي أيضا قد تقدم للهجرة واستعد لها.. فقط بضعة أيام بقيت له معنا.
لست متحجرة القلب يا أمي. فلا زلتِ أمي رغم كل شيء. إنني باقية معك..
محمد قد تزوج، وأنجب ثلاثة أطفال- ولدين وبنت سماها باسمي - .. إنني فقط أراقبه.. وربما أساعده في عمله أحيانا.. لكنني نسيت أمر الزواج تماما، وسأبقى معك.