السبت، 28 فبراير 2009

اللحمه شاطت

عاد من عمله فدخل ليغير ملابسه وأعدت زوجته المائدة جلسا سويا وبدأ الأكل - هممممم الرز يجنن يا زكيه والملوخيه آخر ظبط تبتسم ولا ترد يتناول قطعة من صينية البوفتيك الذي بدا شهيا - اللحمه شاطت منك النهارده شويه؟ تندفع كأنما هي مستعدة وفي حالة تأهب سابق - فين دي اللي شاطت ماهي زي الفل اهوه وبصلها ابيض قدامك - هو يعني جرى ايه .. ابقى خدي بالك بس عشان التقطيع البوفتيك ده بيبقى روقيق وممكن يشيط على طول تقضم قطعة وتنطلق كالمدفع - اللحمه زي اللوز اهي فين الشياط ده يقوم غاضبا ويأخذ في السباب والصياح فيخرج الأبناء من حجرتهم تقول لهم دامعة : - معلش ياولاد ابوكم عصبي بس هستحمله برضه عشان ماهو ابوكم ******** الأبناء قد كبروا فتاة تزوجت و.. - أنا هموت م الجوع يا سكره حضري الأكل بسرعه تعد المائدة ويجلسان سويا - تسلم ايدك الأكل جميل .. بس اللحمه شاطت شويه؟ "آه شاطت عايز ايه يعني".. تقولها في سريرتها لكنها لا تنظر اليه ولا ترد عليه بكلمه.." بصراحه ان كان عاجبه ياكل مش عاجبه يسيبها ابقى اعشي بيها العيال" الفتى يبحث عن عروس وتجد له أمه زينة البنات ويذهبا لزيارة أسرتها يدور الحديث في اتجاهات كثيرة ثم يأخذ العروسان ركنا ليتناقشا في هدوء عسى أن يتفاهما ويتعرفا أكثر إلى بعضهما - أنت ايه شروطك في الراجل اللي تتجوزيه - أممممم وسيم ذكي كريم يفهمني وافهمه ... واهم حاجه الحنيه وانت؟ - أنا أهم حاجه عندي ان مراتي يوم ما اللحمه تشيط منها تعترف وما تنكرش - نعم! - اصل طعمها بيبقى باين وانكارها بيبقى يغيظ - !!!! تقوم في عصبية وهي تنظر الى من احضرته لها في غل وتقول لها من بين اسنانها - انت جايبالي واحد مجنون؟! يحمر وجه الأم ... لكن لا تستطيع الرد

الجمعة، 27 فبراير 2009

عواجيز

ايه الكلام ده بقى ومالهم العواجيز اوعى تقللهم دول ناس مكانها عزيز جايالكو اهو بخطوتي متسنده بعكاكيز وعضامي بتطقطق ومخي كله ازيز وبرضه لو يدبل الورد ريحته فيه ودا كلام مش عضل يبقى هنغلب بيه اما لو اتهوروا وحد مد ايديه يبقى هيستعوضوا رب العجوز بعديه يا عيني عللي كلوا وبيحبسوا باللوز دلوقت مش لاقيين يحلو بصبع موز ياللي انت متربي عالسمنه والبهريز لما بتوع تيكاواي يحاربوا احنا نفوز

الخميس، 26 فبراير 2009

احساس

عمري ما اقول الأنا وأنا ايه ف وسط الناس لولاش شوية شجن على حبتين إحساس ياللي تقول بحري مظبوط اهو وغالب أنا بقول قلبي هو اللي جي كاتب واما يكون قلبي هو اللي كلمكم يبقى الكلام أقوى من كل مرسومكم أصل القلوب تفهم لو الكلام حساس من غير ما يتظبّط على مسطره وكراس

السبت، 21 فبراير 2009

جهاد العاشقين

جلست إلى جانبه بالفراش وهو لا ينظر إليها ربما حياءً بعد أن عجز ولأول مرة في حياتهما سويا أن يكون ذلك الرجل الذي اعتادته دوما. وهي تنظر له بابتسامتها الطيبة فكر أنها تبدو أقرب ما تكون إلى أمه "كأني أراها رحمها الله رغم اختلاف شكليكما تماما إلا أنها نفس الروح والبسمة والعين التي تخترقني في حنو رفيق". -" أحبك" - يبتسم صامتا - فيم تفكر؟ - كأني أرى أمامي كل أيامنا منذ أول يوم رأيتك. يسود الصمت وتبقى العيون متلاقية يرى كل منهما في الآخر شريط طويل من الذكري يبدأ بذلك الزمن الجميل بهمومه الصغيرة التي تنحصر في كون هذا يحب تلك وتلك تغار من هذه وهؤلاء يتنافسون على الدرجات الأعلى وأولئك يمنون أنفسهم بالفوز بمنافسة ما .. ما كان أجملها من هموم! ******* كانت السنة الأولى لهم بالجامعة وكانت تلاحقه بنظراتها التي لم تحاول إخفائها قط. جريئة كانت ، اجتماعية ، نشيطة جدا ، وباختصار كانت شخصية عامة بكل ما يحمل هذا المسمى ؛ فلا يكاد يكون هناك من لا يعرفها في فصلها الدراسي وكذلك الكثيرون من الفصول الدراسية الأخرى . حتى من لا يعرف اسمها يعرفها بالوصف الشهير لها إنها " تلك السمراء ذات الشعر الحريري القصير" وككل شخصية عامة يكثر الحديث والحكايات عنها فلا تعلم أيها أصدق أو أيها يخلو تماما من الصدق .. هي تحب هذا ..لا بل إنها تحاول الإيقاع بذاك ..هي تصلي بمسجد الكلية ؛ أي صلاة بل هي تدخن السجائر ..إنها شديدة الذكاء ؛ بل هي بالكاد تمر من برزخ الامتحان.... هو يسمع الكثير من ذلك ويتعجب مما يسمع ..أهناك شخصية يمكن أن تحمل كل تلك التناقضات؟! لم يدر ماذا يصدق وماذا ينكر ، لكنه لم يكن يهتم كثيرا فأمرها لا يعنيه رغم ما يلاحظه ولاحظه كل من حوله أيضا من نظراتها المستمرة المتسمرة على وجهه في كل مكان . أتى يوم كان يملؤه اكتئاب لا أفق له فقد اقتربت امتحاناتهم وظروف وفاة والدته جعلته لا يكاد يستوعب كلمة واحدة مما يدرس ويكاد يرى نفسه على باب الرسوب المحقق "ماتت غاليتي وقد حملتني أمانة تحقيق حلمها فيّ . ماتت ولم أملك مجرد التعبير عن ألمي لفقدانها .. لست أتحدث إلا الصمت فمن حولي لا ينقصهم أن يروا انهياري خاصة أختي الصغيرة ، ولم يكن في ألسنة الجميع سوى تذكيري بما يجب علي من تحقيق لحلمها الكبير بتفوقي" في ذلك اليوم وجدها تأتي لتطلب منه أن تتحدث إليه قليلا فكاد يردها خائبة فلم يكن ينقصه إلا تلك لتثقله بحديثها التافه ، لكنه أخيرا استحى أن يفعل خاصة أنها كانت المرة الأولى التي تطلب الحديث إليه فلم يكن بينهما أكثر من التحية أو تلك الطلبات الصغيرة الشائعة بين أي زميلين تمشيا قليلا قبل أن تبدأ هي الحديث قائلة "ما بك؟" "لا أدعي أنني فوجئت بالسؤال فأنا أعرف بمتابعتها الكثيبة لي كأمهر أفراد الجستابو هههه ؛ لكنها ليست ذلك الشخص القريب مني كي تعطي نفسها حق سؤالي أو افتراض أني قد أأتمنها على دخيلتي" . إلا أن ما فاجأني حقا هو أنني قد وجدت لساني ينطلق محدثا لها بكل وجيعتي!!" أخذ يتكلم عن أمه وأملها وكيف أنه مضيعه وانطلقت هي مدافعة باثة الأمل في نفسه حتى إذا انقضى بعض الوقت الذي فوجئ هو أنه قد طال لأكثر من ساعة شكرها على إحساسها الطيب واستأذن في الانصراف "أعترف أنها أراحتني كثيرا ، أحسست في ذلك اليوم كأني كنت في جلسة طبيب نفسي استطاع تضييع كثير من أرقي وأعاد لي الكثير من توازني .. أحسست بشيء من العرفان لها" لكن ذلك لم يكن بداية لشيء فهو يضع دوما في ذهنه أنه لن يفكر في فتاة الآن أبدا فهدفه مستقبله ومستقبله فقط وأي شيء غير ذلك هو مرحلة لاحقة. هي أيضا لم تحاول ان تكرر طلبها. كانت كعادتها تتابعه بنظراتها من بعيد .. ربما تبتسم ان تلاقت نظراتهما لحظة .. وربما ألقت السلام ان مرت قريبة منه. مرت السنة والامتحانات وفوجئ بها تتصل به تبشره بنجاحه فلم يعرف من أين جاءت برقمه ، وعجبا لها فهي تفعل تلك الخطوة ثم كسابقتها ينتهي الأمر ولا تحاول شد حبل الوصل بعدها أبدا مكتفية بتلك النظرات التي يراها الجميع. في ذلك اليوم من الأجازة قابل بعض الصحاب ليلعبوا الكرة بملاعب الجامعة حتى إذا ما انتهوا وقد حل بهم التعب ارتموا على الأرض يتضاحكون ويحكون أخبار الأجازة والمصايف والحب والبنات .. هي أحاديث الشباب المعتادة دوما والتي لم يكن يلقي بالا لها فكان يستمع مبتسما بلا تعليق سارحا معلقا عينيه بالسماء وقد استلقى على الأرض فاتحا صدره لنسمات الصيف . يفيقه من شروده اسمها يتردد ومعه الكثير من الأخبار كالمعتاد "فوجئت بنفسي أهمهم بغيظ "خائنه إنها تتلاعب بالجميع " .. أفقت لكلمتي وفكرت أي خيانة ولم يربطها بي وعد ولا عهد .. ثم أخذني العناد محدثا نفسي أنها قد أعطت بالفعل هذا العهد بنظراتها وإلا فلم لا تدعني لحالي " عجيب أمره حين يفكر بعهد من طرف واحد وقد أخافه ذلك فعاد إلى منزله شاردا ودخل فاغتسل من العرق والتراب وأعد لنفسه كوبا من الشاي ودخل إلى الشرفة المظلمة جلس وحده فيها يفكر في أمر نفسه حتى إذا وصل إلى منطقة يخاف منها ولا يريدها صرخ لنفسه محذرا "ما بك؟ فلتقل ما تشاء لمن تشاء فقد قررت من قبل أنها لا تعنيك في شيء. بل إنها حتى وإن فكرت فيك يوما فيكفي ما تجده من لامبالاتك وردودك التي لا تحمل في كثير من الأحيان إلا السخرية" قرر إذن أن ينسى الأمر برمته وأن طريقه هو ما قرره من البداية مستقبله ولا شيء سواه . مرت سنوات الدراسة وقد عاد إليه أمله وتركيزه وتفوقه . وأما عنها فقد بقي الحال كما هو والكل يتعجب منها ومن إصرارها على تلك النظرات بل وذلك الحب الذي لم تخجل من الاعتراف به لكل من سألها عن نظراتها المعلنة دائما بلا خوف أو استحياء رغم حجابها الذي ارتدته منذ فترة. من جانبه كان أحيانا يكاد يرفق بقلبها .. يضجر بها أحيانا أخرى ؛ لكنه لا ينكر أنه تعود تلك النظرات في يومه كأنها تؤنسه رغم عدم اطمئنانه لصاحبتها تماما. ربما أنهما تقاربا إلى حد ما أو فلنقل أن علاقة ما قد نشأت بينها وصاحباتها من ناحية وأصحابه وهو معهم من ناحية أخرى فباتا يتكلمان قليلا وسط هذا الجمع. اقترب امتحان صغير لمجموعته فكان لهم أيام قليلة بلا دروس بالكلية وبقي الجميع ببيوتهم للمراجعة وهو مثلهم. إنه يحاول التركيز فهذه هي السنة النهائية التي يحقق بنهايتها أمل غاليته الذي لم ينسه لحظة . يدق الهاتف وترد أخته ثم يجدها تناديه - طارق .. تليفون! - من؟ - لا أدري .. زميلة لك! يتوقع أنها هي فهي الوحيدة التي اتصلت به قبل ذلك وقت بشرته بنتيجة السنة الأولى لكن يجد صوت زميلة أخرى هي إحدى صاحباتها - طارق؟ - نعم - أنا جيهان - أهلا - ما أخبار المذاكرة معك فامتحانك بعد غد؟ يمل الكلام الخالي من الهدف سريعا وخاصة حينما لا يكون الوقت مناسبا - فقط أردت الاطمئنان عليك و أن أقول لك .. - ماذا؟ - إنها إسلام.. - ماذا بها؟ - أظن أن شيئا ما بينكما فوجدت أن.. - مهلا! من قال ذلك؟ - الكل يراه يا طارق .. أليس هو ذاك؟ يغيظه أسلوبها فلا يجيبها - على أي حال فقط أردت ان أقول لك أنك قد غبت يومين فقط فإذا بي أجدها تصاحب فتى أشقر لم أره من قبل في كليتنا. لا يدري لم أحس بدمه يغلي ولكنه كظم غيظه وسألها - ثم؟ - أنا نفسي ورغم أني صديقتها أعجب مما تفعله ووجدت واجبي ان أقول لك لعلك تقوِّمها. - أشكرك - على أي حال أهم شيء الآن هو مذاكرتك - فعلا. وأنهى المكالمة وهو لا يدري أيهما يغيظه تصرف جيهان تلك ، أم ما حكته له عن إسلام. ***** نعود إلى إسلام وما كان منها ؛ فلأمر كان أبسط من أن ينتقل عبر الهاتف . زميل كان معهم قبل أن ينتقل إلى كلية أخرى قابلها في طرقات الجامعة مصادفة ومعه صديقان آخران من كليته الجديدة ثم وجدها تسلم على فتاة شقراء تحمل ملامح بطلات الحواديت فهي بيضاء كالثلج ذات شعر متموج أصفر يصل إلى خصرها وعيون زرقاء بلون السماء فيسألها إن كانت تعرفها - مجرد سلام وحديث خال من العمق - إذن فليس لقاءنا اليوم إلا عطية الرحمن لجمال - من جمال؟ - صديقي هذا أنه معجب جدا بتلك الفتاة أو بالأصح هو يعشقها تعقد حاجبيها غير مطمئنة لما سوف يلي - ثم؟ - أن تكلميها من أجله. - من أجل ماذا بالتحديد شرحوا لها الموقف وكيف أن جمال هذا مستعد تماما للزواج بالطبع ليس ثريا ولكنه ورث عن والده ما يكفه للبدء وينتظره مستقبل جيد بإذن الله كانت تحب ، وليس فقط تحب ولكنها تعرف معنى الرجاء والأمل الذين لم تعطي نفسها الحق فيهما أبدا ، لذا فقد أحست به ورق قلبها - إسلام كيف أخبار حبك الصبور؟ تبتسم وهي تقول – كما هو منذ تركت الكلية ويبقى الحال على ما هو عليه - إذن تشعرين بحال جمال . وافقت وتطوعت بتلك الخطوة شرط أن يصدق فعله كلامه ويكون طريقه سليما كريما كما وعد . تحدثت إلى أميرة الحواديت ولكنها لم تكن كأميرات الحواديت إلا صورةً فكان الرفض المتعجرف هو ما وجدوه منها دون أي ترفق بقلب أحبها وفوجئت بالفتى يبكي.. يومان مرا وهي تجد هذه الصحبة الجديدة تبحث عنها دوما ولا تجد في ذلك عيبا فهم زملاء بالجامعة وهم دوما يجتمعون صحبة من بنات وبنين معا فلا حرج يتبدل حال جمال هذا كثيرا في هذين اليومين ويتكلم عن كون كل ما كان فيه هو وهم وحب لصورة عشقها في قصص طفولته الحالمة لكنها بالفعل لم تكن أبدا ما يتمناه قلبه. كانت إسلام ذكية بما يكفي لترى ما يعتري الفتى من تحول وأحست في كلماته بتلميح كان أخر ما تتمنى سماعه. حدثته عن أنها لا تصدقه فليس الحب منسيا بتلك السرعة وأعطته المثل بنفسها فحكت وتعمدت الاسترسال والتأكيد على استحالة النسيان وأنها غير نادمة ولا طامعة في استجابة - ثم ماذا إذن؟ - إنه يستحق وكفى. أؤكد لك أن الأمر ليس مستحيلا. إن قلبك كالمدينة احتلها هذا ال "طارق " ولن يخرج منها إلا إذا أعطيتي الفرصة لغيره ليقتحم مدينتك ويخرجه منها إلى غير رجعة. - وأنا أؤكد أنني أنا نفسي لا أريد ذلك - إذن فليقتحم الفارس قلبك دون انتظار لإذنك فينتصر لك عليه وعلى نفسك أيضا. أحست عند هذا الحد أنه لابد من الكلام الصريح - أراك قد نسيت أميرتك بسرعة - كانت وهم - لكنني أراك تعيش شيئا جديدا - أعيش حقيقة أجمل كثيرا من وهمي السابق - فمن هي؟ - ليس الآن ربما بعد ان أعود من مدينتي أول الأسبوع القادم فلست قاهري. قالت في إصرار - أيكون أول حرف في اسمها " إسلام"؟ كان أشقرا فصار وجهه مع الاحمرار كأنه لهبا أكملت - إنها هي... تتنهد وتكمل – إنك تعرف أن قلبي مغلق دون طارق .. منذ أول يوم عرفتني عرفت ذلك أيضا - قلت لك مدينتك .. تقاطعه - مدينتي لم يغزها فارسها بل منحتها إليه راضية وأنتظر أن يحن برضاه أن يسكن عرشها هل تفهم ؟ لم يطل الحديث أكثر من ذلك فقد كانت قوة إصرارها أكبر من أن تدع مجالا للجدال أكثر وانصرف دامعاً. أخيرا أتى يوم امتحان طارق وكانت تنتظره بشوق كبير وتعب أكبر. رأته وهو يدخل الامتحان فسلمت بابتسامة باهتة ودعت له وكانت هذه عادتها دوما ثم تركته يدخل وبقت تنتظره . - كيف حالك - يا أهلا .. ماذا أتى بك هنا؟ - جئتك حاملا رسالة من جمال. مد يده بها فأخذتها وقرأتها وهي تدمع دون صوت " يكفيني ان لم أكسبك حبيبة أن أظل أحب فيكِ حبك الكبير الذي لم أكن لأصدق بوجوده إن لم أصادفك" هكذا ختم رسالته وهو يوقظ كل آلام حبها لتبكي كما تبك قبلا. خرج طارق وقد أنهى امتحانه فوجدها تنتظره وتسأله كيف فعل الله به فحمد الله ثم قال لها بشيء من غلظة - أريد أن نتكلم قليلا - ..... - هيا بنا وابتعدا قليلا عن الزملاء فسألها بجفاف أيضا تعجبت له – ماذا يبكيكِ؟ لم ترد بل مدت يدها بذلك الخطاب الذي لم تكن قد تركته بعد قرأه بسرعة ثم طواه وأعطاه لها قائلا – وماذا يبكيكِ في ذلك؟ - أبدا المفارقة فقط موجعة. - جيد أن فتحت الكلام فقد كنت أنوي فتحه فوفرت عليّ ذلك. انتبهت للنبرة العدائية في صوته – بمعنى؟ - كيف لك استغلال عدم وجودنا لتقفي مع غرباء تتحدثين وتضحكين هكذا؟! استنكرت الكلام لكن رغم غضبها وجدت قلبها مستمتعا به بصورة ما . أخفت استمتاعها ذلك وناقشته وأصر كل على موقفه هو يراها مخطئة وهي ترى أنهم زملاء بالجامعة لا فارق أن يكونوا من كليتها أو من أي كلية أخرى . الشيء الوحيد الذي اتفقا عليه هو نظرتهما لتلك الزميلة التي اتصلت به خصيصا لنقل أخبارها طال حديثهما ذلك اليوم .. وفي النهاية .. - حسنا هذه آخر سنوات الدراسة التي تجمعنا يا طارق وإنني أشعر أنه قد وجب هذا القول ... إن حالي لا يخفى على أحد كي يخفى عليك فسأتكلم بكل الوضوح الممكن " أغمضت عينيها وأخذت تعتصر ذلك الخطاب بيدها المرتعشة وهي تقول - طارق .. أعرض عليك قلبي فهل تقبله؟ احمر وجهه وأكمل سيره صامتا بينما أطرقت وهي تسير بجانبه دون أن تزيد كلمة أخرى فقد كان ما بذلته من طاقة لقول ما قالت مستنفذا لكل ما لديها . أخيرا رد بهدوء – دعيني أرد عليك غدا. افترقا دون كلمة أخرى ومر يوم وراء يوم وذلك الغد لا يأتي وبعد أسبوع كامل أتاها يطلب الحديث إليها وأخذا يتمشيا في طرقات الجامعة كالمعتاد .. - هناك الكثير أحب أن أستوضحه. سألها عن كل ما سمع عنها .. عن رسمها على هذا وذاك ، عن سجائرها ، عن ارتباطها بأحد الزملاء رغم نظراتها إليه فوجئت كما قد يفاجأ أي شخص بما يقال عنه فليس أكثر من حكايات الناس ابتكارا ردت على كل ما سأل فهذا الذي يقول أنها ترسم عليه كان مرتبطا بصديقتها تلك . أما تلك السجائر كيف لها أن تقربها وهي تصاب بأزمات الربو إن دخنها أحد إلى جوارها!. وذاك الذي يقول أنها ارتبطت به يوما كان يستجدي حبها وهو يعلم أنها تحب صديقه نعم أخطأت في هذا الأمر إذا لانت بكلامها وعشمته قليلا عندما صارحها بعذابه قبل امتحانات تلك السنة وحمّلها ذنب فشله وهي تعذبه بحبها لصديقه حتى إذا ما انقضت الامتحانات أفهمته الأمر وانقطع الكلام بينهما بعدها - لقد كادت شفقتي تدمرني لكن حين أردت أن أنهي الأمر لم يدعني أتكلم بل قال أنه يفهم كل شيء من البداية وأنه يحمل لي كل الشكر على موقفي الشهم وقت امتحاناته بل وقال ان عليّ ألاّ أذكر هذا الأمر لأحد واعتبره لم يكن وسيصونه هو أيضا احتراما لي ووعدني أن سيكون لي خير من أخ . ابتسم متهكما - ولكنه لم يفعل للأسف فلست وحدي من أعرف به .. خير أخ ها - أحكى لك؟ - ليس لي وحدي - لا أعجب فربما أراد مداواة جرحه وإرضاء كبريائه - الا تدركين ما تفعلينه بنفسك يا فتاة بحجة تلك الشفقة اللعينة؟ مرة هذا الزميل وأخيرا ذلك ال جمال.. ما هذا! صدمتها كلماته .. أخذت نفسا عميقا وأغمضت عينيها وهي تقول - لقد شكرني من قلبه وقتها وهذا دليلي أني قد فعلت شيئا طيبا له.. نيتي هي بيني وبين ربي وسيجزيني بها. - الله لم يأمرك أن تضيعي كرامتك يا فتاة - ......... يزفر بشدة ويقول – على أي حال لن أحاسبك على أي شيء يسبق يومنا هذا ، لكن من اليوم .. أحست أن قلبها سيشق صدرها قافزا فوق السحب ويدق ويدق ويدق معلنا فرحته لكل الدنيا حوله .. لكن - من اليوم .. وسأجيبك عن سؤالك الذي سألتني ..ماذا قلتي وقتئذ؟ - ........... - كرري سؤالك. "يا الله لماذا يفعل بي هذا" تستجمع بقايا قوتها وصبرها وتقول بصوت لا يكاد يخرج - اعرض عليك قلبي فهل تقبله؟ استعاد صوته هدوءه وهو يقول - أقبله يا إسلام .. لكن طارق وحده هو من يقبله .. لا أستطيع أن أعدك أن تقبله أسرة طارق. أحست بشيء من الإهانة في كلماته لكن تغاضت فمنذ لحظات فقط تغاضى هو أيضا عن كل ما ضايقه منها لم تفهم وقتها أنه لم يكن يقصد الإهانة لها بل يعني أن ظروفه لن تسمح أن يقبل أهله أي مشروع ارتباط له الآن. - شيء آخر.. - أي شيء؟ - أقول أنني أقبل قلبك نعم .. لكنني لست متأكدا بعد أني أستطيع منحك قلبي مقابله. - وأنا يكفيني ذلك جدا - هل تعرفين معنى موافقتك تلك؟ أعرف .. سيظل قلبك حرا لا عهد عليه نحوي .. بل قد يعطي عهده لغيري يوما - وتقبلين!! - يكفيني أن يكون قلبي وديعة عندك .. وأثق أنك عليه مؤتمن. بدأت مرحلة جديدة في رحلتهما .. اتفاق .. اختلاف .. عذاب الشك يوما .. وعذاب الشوق أيام .. وحب ينمو حتى لم يعد مثله حب هكذا يبدأ الأمر وهكذا يتطور دوما .. البداية حب الروح الذي يملك القلوب ويتطور بالشوق الذي تترجمه الأجساد .. وقد بدأ. هو شاب مفعم بالرجولة يردعه خوفه من إغضاب ربه ، وهي المحبة المتعلقة بربها أيضا ولكن يجذبها غرامها كذلك. "لم نر للمتحابين مثل النكاح" حديث ما أشرفه لرسول الأمة ولكن من يسمع ، وكذلك من أين لهما بتكاليفه! أيام عصيبة وجهاد نفسيهما يبيت أشد صعوبة يوما وراء يوم. سنتان مرتا على ارتباطهما حين أمسك يدها مصافحا لأول مرة وكانت قبلها تمنعه من ذلك. كم ترك ذلك داخلهما إشباعا ورضا .. بالتأكيد لم تبق مرة واحدة أبدا ، بل أدمنا تعانق أصابعهما في كل لقاء .. إنهما يعملان معا ، ويدخران معا جنيهاتهما القليلة ... ولكن إلى متى؟؟ حين يجتمع قلبان على الهوى فإن رغباتهما تتحد .. تولد في نفسيهما معا ، وتتأجج داخلهما معا ، حتى يصادف توهجها نفس اللحظة فيحترقا سويا.. كم بكت ، وكم دمعت عينه وهو يبوح بتعبه من جهاد نفسه . ذات يوم وقد تقابلا في طرقات كليتهما كما اعتادا منذ أيام الدراسة قال لها: - أفكر ألاّ نتقابل بعد ذلك -ماذا! .... وهل تستطيع؟ يتنهد قائلا: - بالتأكيد لا .. لكنني متعب جدا .... أعرف أنك أيضا متعبة ، و... بصراحة أكثر أخاف عليك مني. لم تجد أمامها إلا الدموع تلوذ بها في صمت مر أسبوعان بعد هذا اللقاء دون أن يلتقيا ؛ ثم إذا بهما يتفقان دون اتفاق ويقرران اللقاء مجددا. حين يراها واقفة في انتظاره بالطريق يتماسك وهو يسمع أذان المغرب يعلو من المسجد الصغير المجاور فيصل إليها ويكمل مسيره في صمت فتمشي إلى جواره دون كلمة. يتجه إلى المسجد فيوصلها حتى باب النساء ويعود ليدخل مصلى الرجال . تدخل هي إلى المسجد بإحساس من الراحة يملؤها فربما هذه أول مرة يتقابلا ويحين وقت الصلاة عليهما ويتجها إلى المسجد سويا. تواجه القبلة وترفع يدها إلى السماء وهي وحدها في المصلى الخالي. يرتفع صوت الإقامة فتقف خاشعة راجية ربها جبران قلبيهما يكبر الإمام فتفاجأ بصوته يؤم الرجال ، وهي هنا تصلي وراءه .. أي بشرى من الله أحستها وهي تسمعه وتتبعه في صلاته. تنتهي الصلاة ويخرجا ليمشيا متجاورين وتبدأ هي الكلام - أنت كنت الإمام - نعم . كنا في بداية الأمر أثنين فقط وسبقني فأقام الصلاة ووقف إلى يميني. - لقد كنت إمامي أيضا.. تبتسم ويلتفت إليها مبتسما في حنان .. ترفع عينيها أليه وتلتقي العيون في عتاب معذب على ذلك الغياب الذي طال بأيديهما - أوحشتِني - أنت أكثر تبحث يده عن يدها فتتشابكا ويسيران طويلا لا يشعران بالدنيا ولا يتعبان أبدا بعد قرابة الشهر حتمت ظروف عمله ان يغيب أربعين يوما متواصلة ولم يكن الانترنت أو الموبايل في متناولهما وهما يدخران كل ما يصلهما من أجل ذلك الأمل الجميل العسير فانقطعت الصلة إلا ما ندر من دقائق قليلة على الهاتف . حاولت هي أن تغرق في عملها صباحا ومساء كي تمر أيامها البطيئة وتنتهي ، وحاول هو أن يتصبر بالصيام والقرآن دوما. أخيرا تقررت عودته فجأة قبل نهاية الأيام الأربعين بيومين ، وصادف ذلك يوم عمل مسائي لها وكان بالطبع يعرف مواعيد عملها . حين ركب القطار كان يفكر أن موعد وصوله سيسمح له أن يذهب إلى البيت فيغتسل ويغير ملابس السفر ثم يلحقها عند خروجها من العمل وربما يتمشيا قليلا.. عند نزوله من القطار حاملا شوقه العاتي اتجه إلى الحافلة الذاهبة إلى حيث ترك قلبه. فوجئت به أمامها ، وكانت وحدها حيث ذهب الزملاء للعشاء ... وفوجئت بذراعيه يجذبانها من كرسيها لتقف أمامه ناظرة في عينيه وكل شوق الدنيا فيهما فلا يدريا بنفسيهما إلا وقد جذبها فدفنت رأسها في صدره ورفعت ذراعيها لتطوق خاصرته وضمها بقوة تكاد توقف أنفاسها .. بكت كثيرا وأحس بدمعاتها تبلل صدره فرفع ذقنها بأنامله مقتربا بشفتيه منها. أشاحت بوجهها دافعة إياه برفق فجاءت قبلته رقيقة على جانب فمها مثيرة في نفسها نقيضين يتصارعا . سعادة وارتواء لشوق عذبها ، وفواق جعلها تضع كفها على شفتيه دافعة إياه بعيدا بيدها الأخرى. يتركها تبتعد ولكن يمسك كفها بين يديه لا يدعه .. يتبادلان الحكايات عن كل تفصيلة مرت في أيام البعاد حتى يحين وقت انصرافها فيطمئن عليها حتى تركب حافلتها وينصرف على أمل اللقاء. في لقائهما التالي لذلك اليوم تكلما كثيرا .. خوفهما يزداد وحيلتهما تقل. كم ادخرنا حتى الآن؟ ..متى إذن يمكننا اتخاذ خطوة رسمية جادة؟ .. الخوف من الفراق ، والخوف من اللقاء،.. الخوف من الله والضعف صفة الكينونة البشرية.. هل نبتعد فيزيد الشوق ولا نحكمه ، أم نتلاقى ولكن بلا تمادي؟ .. ولكن هيهات. سنوات مرت والنظرة تكفيهم ، لكن بمجرد أن اشتعلت الشرارة بين اليدين وهي أخذة في التوهج في سائر الجسد حتى صار بعد المصافحة عناقا وقبلة في شهور قليلة . رحماك يا رب وهما ما بين رحى عذابين لذلك الشوق وذلك الضمير المؤرق تطحنهما بلا ترفق. في الجمعة التالية تلاقيا فأتاها يقول أنه قد وجد حلا مؤقتا تكلم فيه الخطيب اليوم .. - أي حل؟ - حل لما نحن فيه .. لقد تعبت يا إسلام تتساءل ثانية وقد داخلها القلق - أي حل يا طارق؟ يحمر وجهه ويلتفت بعيدا متحاشيا عينيها وهو يقول: - حل بيني وبين نفسي. - لا .. أتقصد هذا حقا؟! كانت مصدومة ولا تصدق ما سمعت .. إحساس رهيب بالإهانة الموجعة لأنوثتها - لقد قال الخطيب أنه حلال إذا خشي الإنسان الزنا تنهمر دموعها وتهز رأسها غير مستوعبة أبدا - طارق يوم تصل إلى هذه المرحلة لا تفعلها أرجوك .. فقط ائتني وقل لي حينئذ. - وماذا بيدك إن قلت لك يا إسلام ؟ صدقيني إنه الأهون - ليس هينا أبدا .. أرجوك سكت وهو لا يفهم ما عنته ، وربما لم تعرف هي نفسها ما الذي يمكنها فعله وقتها . فكرت للحظة أن زواجهما سرا ربما أهون من أن تعرف أنه يفعل ذلك - إسلام حبيبتي .. أعدك أني لن أفعل ذلك إلا مرغما .. لقد جربت كل شيء .. البعد ، التلاقي والأعشاب المثبطة حتى أصبح كل من بالبيت يتساءل عن عشقي الجديد للكركديه ويتساءلون عن تلك التوليفات التي آتي بها من العطار .. أجد أبي يرمقني أحيانا كأنما يريد فتح حديث يتمنى لو لا يفتحه .. فلا شيء يملكه لمساعدتي . لست ألومه فيكفيه ما يفعله لأجلنا إلى الآن .. أكاد أوقن ان حالي منكشف أمامه تماما - الصيام إذن يتنهد - حسنا .. ها هو رمضان مقبل ، فلنأمل خيرا.

يأتي رمضان وفيه راحة ودعاء وأمل . كغيرهما يبتغيا بركته ويسهرون ليله في دعاء لا ينتهي .. يبكون على ما يفرطون كل يوم ، لكن حين اللقاء لم تعد أيديهما تستطيع التباعد. ذنب وندم في دائرة غير منتهية حتى يكاد اليأس يتسرب إلى نفسيهما أن يكونا من الصالحين يوما. أصبحا يبحثان لنفسيهما عن المبرر والعذر. كل لقاء يأتي أحدهما للآخر بحديث أو مقولة عن المغفرة والنوايا ورحمة الله. ينقضي الشهر سريعا ويخرجان منه في حالة من الهدوء النسبي الذي يخشيان تماما ألا يستمر.

شهران آخران ويأتيها في موعدهما ليخبرها أن أباه قد سافر للحج . تشعر بغصة وضيق لا تفصح عنه إذ تفكر أنه إن كان يملك تكاليف الحج وقد حج من قبل حسب علمها ، أفلا يكون الأولى أن يعين ابنه!

- قد دعاه أخي الذي يعمل هناك للحج عن أمي على نفقته .. ليتك رأيته بعد أن سلم على الجميع حيث التفت لي ليقول "سأدعو لك" ، إذن لأقسمتِ أن هذا الرجل يعرف كل شيء.

ابتسمت وأحست براحة وأمل جميل محا وساوسها السابقة فما أحوجهما إلى دعاء عند بيت الله من قلب أب.

استبشرا خيرا ونفحات رمضان لا زالت في نفسيهما والإحساس بدعوات أبيه يملأهما كأنما يسمعانه ، فكان لقاءً مرحا خلا من الألم هذه المرة وعاشا إحساسا افتقداه كثيرا . تحدثا طويلا ، وضحكا كثيرا ، تبادلا نظرات الأمل... واكتشفا في آخر اللقاء أنها المرة الأولى منذ زمن يعيشا لقاء روحيهما مجددا ويتنحى جسديهما عن القيادة.

دوما تندثر بركات هذا الشهر وروحانيته مع مرور الأيام ، كي يشتاق الناس لرمضان جديد. ولأنهما كسائر البشر فقد عادا أيضا. أصبحا لا يمشيان إلا وقد تشابكت الأيدي .. أحيانا تتعلق بيدها في ذراعه فيأخذ كفها ليضمه إلى صدره .. أو يعبرا الطريق فيحيط خصرها متحججا بدفعها سريعا للعبور .. أو يختلسا دقائق في مكتبها ليس لهما ثالث إلا ذلك الكريه الذي يغلبهما دوما هناك.

ذلك المساء مر عليها بالمكتب في موعد ذهاب زملائها كعادته .. فوجئت به يطلب منها أن تكلم والديها في أمرهما

- أصبح لابد من ذلك

- لكن ماذا أقول؟.. لازال الكثير أمامنا!

- لا أرانا نتجه للأمام يا إسلام .. إنما للوراء بلا توقف

يزفر ضيقا ويهز رأسه مكملا - على الأقل معنا ما يكفي لشراء شبكة معقولة ودفعنا مقدم شقتنا الصغيرة

- أي شبكه! .. لا أريد تلك الأشياء فهناك ما هو أولى ..

يقاطعها وهو يضغط يدها – دمتِ حبيبتي ، لكن لن تكون الأمور حسب رأيك وحدك ، فمن الآن ستبدأ آراء الأهل أيضا.

تذكرت في هذه اللحظة عبارته " لكن طارق وحده هو من يقبله .. لا أستطيع أن أعدك أن تقبله أسرة طارق". لم تشعر بالإهانة في تلك الكلمات الآن ، بل أحست بالخوف. هو أيضا يضمن إسلام وحدها ولا يعلمان ما يكون من أمر أهلها قط. كان القلق سيدا ، فطال عناقهما هذه المرة كأنما يخشيا إن انفصلا ألا يجد أحدهما الآخر مجددا.

حين عادت إسلام إلى بيتها لم تفارق عيناها أمها وألف فكرة وألف مقدمة يتوالوا في رأسها ولا يجرؤ لسانها على التنفيذ. حتى إذا نام الجميع ووجدت أمها مستلقية في سريرها تتصفح مجلة قديمة جاءت فجلست بجانبها منادية إياها بصوت خفيض

- أمي .. أريدك أن تكلمي أبي في موضوع ما..

- تزيح المجلة قليلا ناظرة إليها – أي موضوع؟

- موضوع زواج.

- هل لديك عريس لأمنية؟

- وهل ينقصها عريس مني؟! .. إن عرسانها ما أكثرهم .. فقط لتختر هي أحدهم.

- أختك الكبيرة عاقلة تريد أن تنتهي من الدكتوراه أولا ولا تضيع مستقبلها بالارتباط ... ثم تضيف - ليست مثل غيرها.

- يا أمي كل يرى مستقبله بما يريحه ويفضله ، وأنا لست هي.

- فماذا إذن؟

- هو زميلي ..

ساخرة - هه !

- ماذا يا أمي ؟ إنني لم أكمل بعد!

- فأكملي إذن.. هل لديه شقة؟

- دفع مقدمها

- والمهر والشبكة؟

- الشبكة فقط الآن يا أمي والله الرزاق.

- آه .. إذن فقد آتيتنا بعاشق فقير ههههه

سكتت وقد فاجأتها سخرية أمها .. دوما تسمع ان الأم هي السند أمام الأب في مثل تلك المواقف ، فهكذا منت نفسها أيضا. لكن ها هي تحبطها من أول سطور القصيد

- حسنا ماذا في يدي .. اذهبي إلى أبيك فقولي له أتيتك بعريس يحتاج مساعدتك.

أحست بالغضب من أمها فربما تقبل تلك السخرية ان أصابتها هي ، لكنها لم تكن لتحتمل أدنى مساس به.

- يا أمي الطبيعي أن تكلميه أنت ..ألستِ أمنا وربة هذا البيت

عاودت القراءة في مجلتها دون رد

- أمي!

ردت ببرود -إن شاء الله.

تبقى في مكانها قليلا لا تدري ماذا تفعل ، ثم لا تجد أمامها إلا ان تقوم إلى سريرها لائذة بدموعها ودعائها الذي بات أحر كثيرا عن ذي قبل.

إلى جوار ذلك المسجد الصغير تلاقيا. كانا يحاولان ألا يلتقيا إلا بالشارع مجاهدة لنفسيهما أكثر على أمل ان يهدي الله أهلهما لجمعهما بحلال اشتاقا إليه كثيرا. كانت بضعة أيام قد مرت بعد ان كلمت أمها . حكت له ما دار بينهما فامتعض وقد أحس أن رد الفعل هذا ليس مريحا على الإطلاق.

- أتعتقدين حقا أنها ستساندك؟

- ..........

- لم لا تتحدثين بنفسك إلى أبيكِ؟

تضحك متهكمة – ألا تعلم حقا؟! .. لقد حكيت لك الكثير عنه بالفعل.

- لكن هذا شيء وذاك شيء مختلف.. هذه المواقف يتعامل معها الرجال بعقل أكثر

- وهذا ما أخافه بالضبط يا طارق. تأخذ نفسا عميقا – أحتاج إلى قلب يفهمني ويقدِّر حالي ، لا إلى عقل يحسب المفروض والمطلوب.

يصمت تماما فتنظر إلى وجهه الذي بدا عليه الهم ، وتتعلق بذراعه ضامة إياها إلى صدرها – لا تحزن..

يربت على يدها دون ان ينظر إليها ويسيرا صامتين.

ثلاثة أيام طويلة أخرى تمر ، وأمها تتصرف كأن لم تكلمها ابنتها في شيء. لكم خذلتها!

كانت تشعر أنها لو وجدت التعنيف والرفض لكان أهون عليها من إلقاء الأمر برمته إلى سلة المهملات هكذا. إن حاولت أن تفتح الكلام فبمجرد أن تناديها "أمي " ترد "اذهبي لعمل كذا" أو "افتحي التلفاز فقد حان وقت المسلسل"..!!!

لم تعد تبكي في تلك الأيام ؛ كان قلبها هو الذي ينوح لا عيونها .. تمنت في لحظة لو لم يكن لها أم.

في ذلك المساء ناداها أبوها وكان قد احتد مع أمها منذ قليل على أمر تافه كعادتهما. كان ظهره يؤلمه وأراد منها أن تدلكه له بذلك الدهان الذي كتبه له الطبيب. ذهبت إليه وأخذت تدلكه له برفق وهو يشتكي أمها كعادته ، لكنها أحست هذه المرة أنه ليس دوما مخطئا ، فحين جاء الموقف الحقيقي الذي تحتاج فيه لأمها خذلتها أيما خذلان.

تتذكر كلام طارق وحثه لها ان تفاتح والدها في الأمر بنفسها ، لكن أين لها بالشجاعة الكافية لذلك. دوما كانا متباعدين .. دوما كان غاضبا بلا سماحة أو سماح.. لا تعرف في علاقتها به ود أو حديث حنون .. دوما أوامر ، وغضب من إساءة التنفيذ .. دوما تأويل للتصرفات ، وحاسبة لهم على أخطاء هي في حقيقتها بينه وبين أمهم لا علاقة لهم بها.. دوما يفترض فيهم الوقوف ضده قبل أن يكون لهم موقفا أصلا..

هكذا قد شطحت بها أفكارها وهي تدلك ظهره معاتبة إياه في صمت أن قطع حبل الود ووضع محله الحواجز التي لا تنهدم. أفاقت من أفكارها على صوته

- يدكِ حنونة يا إسلام .. يا بخت من يتزوجك.

ابتسمت متعجبة من الكلمة ولم ترد ، فإذا به يسترسل

- لا أفهم ما الذي حدث هذه المرة كي تفتعل أمك الخلاف هكذا؟!

تجد الفرصة تتفتح أمامها لموضوعها

- لا عليك والدي فإنما أرادت أن تقطع الحديث بينكما كي لا تحدثك في أمر طلبت منها أن تحدثك عنه

- أي أمر ؟ ..

ثم اعتدل ملتفتا إليها – أغبية أنت! عندما تريدين الكلام معي تكلفين أمك به؟! إنها لا تجيد الحديث عما تريد هي نفسها ، فهل ستجيده عن غيرها؟!

- ......

تشعر بشيء من خيبة الرجاء فها هو قد بدأ

- ما ذلك الأمر؟

- زميل يريد مقابلتك ، لكنه محدود الإمكانيات

- لا يهم .. اهو على خلق؟

- جدا

- يأتي وسأزوجهما

- تزوج من؟

- لا ... إنه زميلي..

- ماذا! .. كنت سأسعد لو انه لأختك ، فهي الكبرى

أحست بطعنة جديدة تؤلمها وتجعلها تصرخ داخلها .. "ما بالكم؟ ألست ابنتكم أيضا؟ قد جاء أمنية أشكالا وألوانا من الخاطبين وهي التي تصر على تلك الدكتوراه وتراها أهم لبنة في بنائها فما ذنبي أنا! .. أتراها لو ظلت على موقفها ماذا يكون موقفكم مني؟! أترون الوضع منصفا هكذا؟؟؟

- حسنا ! لا تسكتي هكذا .. فلنر.. أين عرفته؟

- كان زميل الدراسة

- ومال زميل الدراسة ومالك وقد انتهت تلك الدراسة منذ سنوات؟

أحست بنبرة الغضب قد بدأت فما كان لها حيلة إلا أن لجأت لكذبة صغيرة

- أرسل أخته لتكلمني في أمره.

- آه فهمت .. إذن فما هي إمكانياته المحدودة تلك؟

- هو قد دفع مقدم شقة في أحد المدن الجديدة ويستطيع تقديم شبكة معقولة..

- معقولة .. نعم .. أفهم معنى هذه الكلمة بالتحديد.

- هو إنسان محترم جدا يا والدي ، فقط قابله وانظر في أمره

تذكرت بعد ان نطقت تلك الجملة نصيحة صديقاتها الدائمة والتي تكررها كل من تخطب "لا تدعي اهلك يشعرون أنك تريدين خطيبك فيكرهونه ، بل أشعريهم دوما أنما أنت مرغمة خاضعة لرغبتهم ، فيظلون يقنعوك به ويجبرونك عليه"

أصابها القلق وندمت على ما قالته منتظرة رد الفعل من أبيها ، ولكنه ويا للمفاجأة أتى بما أنقذها من هوة الإحباط أخيرا

- حسنا فليأت لمقابلتي الخميس القادم

ربما كانت المرة الأولى التي تطبع فيها قبلة مرحة على خد أبيها حاضنة إياه بكل الشكر

بالطبع لم يكن الأمر بذلك اليسر الذي بدا لها مع كلمات أبيها ؛ فما أن علمت الأم بالقرار حتى سنت أسنان الاعتراض وبدأته في التو. في اليوم التالي عاد الأب فوجد زوجته قد أعدت له طعام يحبه ، وعادت تجر الكلام معه بعد ان كانت هي من افتعلت الخلاف. حدث نفسه أن تلك المرأة وراءها شيء تريد أن تطلبه فهذه عادتها فقط حين تريد شيئا. بعد الغذاء أعدت كوبين من الشاي وحملتهما إليه فناولته كوبه وجلست إلى جواره ترتشف من كوبها على مهل

- أقلت لإسلام أن تأتي بزميلها ذاك لمقابلتك؟

ينحي كوب الشاي ويعقد يديه على صدره ناظرا لها وقد فهم قصة هذا التدليل منذ جاء ويرد - نعم

بدأت تناقشه وقد سيطرت على أعصابها ربما أو ربما هي تمتلك بالفعل تلك الأعصاب الباردة .. ساعتان من النقاش الذي لا غرض له إلا إبداء سلبيات الأمر ومحاولة تنحيته عنه. عادت إسلام من فترة عملها الصباحية لتجد أمها مع أبيها في غرفتهما وقد أوصدا الباب وهو أمر لم يكن منذ سنوات.. تتوجس بالتأكيد وتكاد تقسم ان الحديث الذي تسمع همهماته يدور حول طارق. بدأت الأصوات تعلو تدريجيا وحتى الجيران قد بدأو يعرفون جديد أحداثهم .. أخيرا انطلق صياح أبيها وسبابه واندفعت أمها خارجة من الغرفة غاضبة وما ان رأتها حتى توعدتها بصوت خفيض أرادت ألا يسمعه زوجها فخرجت الكلمات مريرة من بين أسنانها تنبئ إسلام أن هذا الأمر لن يتم مهما مكرت بأبيها. قبل أن ترد إسلام وجدت أباها ينادي غاضبا

- أجاءت إسلام؟ قبل أن يرد أحد كان قد أكمل – أخبروها أن تؤكد على عريسها بالحضور غدا.

ردت مابين الأمل والألم - سأفعل

اتصلت بطارق في الحال تؤكد معه الموعد غدا الخميس. حكت له كل ما كان وكيف بدأت الحرب الضروس ..

- حسنا سأحدث والدي في الأمر وأرد عليكِ

- ماذا؟ أنت لم تحدثه بعد؟! طارق .. قد جعلتني أفتح فوهة البركان هنا و..

قاطعها - حبيبتي لا تقلقي.. سآتي في موعدي بإذن الله. فقط سأتكلم معه قليلا فيجب أن يعرف بما أفعله ، إنه أبي

لم تدر ماذا تقول فلم تكن على استعداد لفهم أي شيء فالقلق عاصف وقلبها لا يحتمل المزيد فأنهت المكالمة بدعائها "يا رب".

ما هي إلا نصف الساعة وكان يتصل بها

- كلمت والدي .. لم يبد اعتراضا لكنه بالطبع أبدى قلقا كبيرا

"ماذا ستقول له يا بني وليس معك تكاليف الزواج؟! فيم ذهابك إذن؟"

"لست أدري بالضبط ما سيحدث لكنه الآن يريد رؤيتي ، وهو يعرف ظروفي على كل حال فلم نخف عنه شيء"

"بالتوفيق يا طارق .. ليكتب الله لك الخير"

بكل القلق انتظرته .. وبكل الحب جاء .. وبكل التحفز قابله والدها .. أما أمها فلم تخرج لمقابلته.

تحية وضيافة قدمتها ثم صدر المر المباشر من أبيها أن تتركهما. سأله عن كل شيء يخصه ..عن بياناته التي يمكن أن يسأل عنه بها ، عن أسرته ، أخواته وإن كان يمكن ان يساعده احدهم . وأجابه بكل صدق ؛ لم يدع لنفسه ما ليس له ، أخبره بما استطاع توفيره حتى هذه اللحظة مقدم الشقة وشبكة معقولة .. قال إن إخوته إن التزموا بمساعدة فالأولى أن تكون لأخته وليس له .. الشيء الوحيد الذي لم يخبره به بالطبع هو ان ابنته شريكة له فيما أتاه به فلم يكن هذا ممكنا

- فمتى تعتقد بهذه الصورة انه يمكنك الزواج؟

- لست قادر على إعطاء وعد .. ربما بعد سنوات ، وربما ييسر الله فيكون ذلك أقرب مما أتخيل .. إنني لا أتكاسل عن السعي وأرجو من الله التوفيق وهذا كل ما بيدي"

نظر له أبوها متأملا ، ثم اخذ الورقة التي كتب بها بياناته فمزقها ووضع فتاتها على المنضدة الصغيرة أمامه في صمت وتفكير

لم يفهم طارق معنى ما فعله ، وأخذ قلبه يضرب صدره قلقا .. أيكون معلنا بحركته تلك انتهاء الأمر .. أيكون..

قاطع استرسال مخاوفه الإجابة التي لم تتأخر

- أنت إنسان صادق يا بني . ربما أنت حتى أفضل من ابنتي ، ولا اعتقد أني في حاجة للسؤال عنك . فعن خلقك فالصدق تاج الخلق ، وعن طبعك فهي تعرفه بحكم زمالتكما ربما أكثر ممن قد أسألهم عنك ..

أعتقد أنه لن يضير أحد أن يظل المر على ما هو عليه بعض الوقت فإنني أحتاج للتفكير فيه .

قبل ان يفرح طارق ويهدأ قلبه لحقه الأب بتكملة كلامه – وكذلك فإنني أرى أن ارتباطكما الآن قد يضيع فرصا أخرى أفضل لابنتي ثم مع الوقت تغير رأيها وتيأس من حالك فتخسر الأمرين معا .. ألا ترى كلامي واقعيا

يقف الكلام في حلقه ولا يدري بما يرد . الكلام واقعي من وجهة نظر أب يجد زميل فقير يأتي لخطبة ابنته .. هو لا يدري ولا يمكن أن يدري بحقيقة الأمر

- لماذا سكت؟ أليس كلامي واقعيا صائبا

يرد في عجز هادئ - بالتأكيد..

أخذ عقله يفكر في سرعة وقد أحس بانتهاء الزيارة .. ربما المر ليس سيئا جدا ، فالرجل لم يرفضه بل ورآه شخصا مناسبا لولا ضيق ذات يده.. والانتظار في يدها إلى حد كبير.. لكنه عاد يتذكر ما جعلهما يتعجلان هذه الزيارة .. "ليس سهلا على الإطلاق"

قرر ان يقوم وقد طال الصمت ففوجئ به ينادي إسلام وفوجئ بأمها تدخل وراءها.

- قد اتفقنا أن يتأجل الأمر فقد يكون لك فرصة أخرى أنسب وأفضل لك.. هو عاقل وقد وافق على ذلك راضيا .

اتسعت عيناها غير مصدقة وكادت دموعها تفر لولا أن رأت أمها تتقدم إلى الكرسي المواجه لها فتجلس وهي تنظر أليها مضيقة عينيها كنمر متحفز.

أشاحت بوجهها عنها واستدارت مواجهة إياه وعيناها تصرخان " أفعلت ذلك؟ أرضيت أن تدعني لفرصة أخرى؟! أيعقل أنك قد تنازلت عني؟!! " ينظر إليها بابتسامة باهتة لا معنى لها وقد صدمه هو الآخر ذلك الملخص الغريب الذي قدمه الأب لابنته ..

" آه لتلك الابتسامة الشامتة على شفتيك يا أمي .. أتشمتين في ابنتك! .. ليس هذا وقت التفكير فيكِ على أي حال. آه منك يا أمي وآه منك يا طارق "

صدر الأمر التالي بالانصراف ولم يكن في يدها إلا الصمت والطاعة . دخلت إلى حجرتها وسمعت صوت الباب يغلق معلنا انصرافه .. بكت وهي لا تعرف حتى فيم تفكر فقد شل عقلها تماما.

صوت أمها يعلو في الغرفة المجاورة .. إنها تحكي لخالتها عبر الهاتف عن خيبة ابنتها .."إنها تجلس أمامه وتنظر له كأنها شحاذة تستجدي حبه"

" كفي يا أمي .. يا رب أيكون كل ذلك لإصراري على عدم انتهاج منهج أختي؟ .. لكنها هي نفسها لا تجد غضاضة في زواجي قبلها .. لها منهجها ولي منهجي .. لسنا شخص واحد ليطبق علينا نفس الحكم.."

لم تفهم إسلام أن ما تفعله أمها ليس إلا أعراض الحماة قد بدأت تظهر عليها.

في مساء اليوم التالي تقابلا .. كانت محبطة من كل شيء ، ومنه أيضا.

كان واضحا على وجهها آثار السهر والبكاء ، ولم تنطق بأكثر من السلام.

- مالك يا إسلام؟ لماذا تأخذين الأمور بتلك النظرة المتشائمة ؟

- .............

- أبوك لم يرفض علاقتنا ولم يرني سيئا وهذه بداية مؤملة .. هو يريد فقط أن نبقى كما نحن حتى أتم استعدادي للزواج.

- وإلى أن يحدث لا تراني؟ هل وافقته على ذلك؟

- من قال هذا الكلام؟ يأخذ يدها في يده مشابكا أصابعهما مكملا – وهل يمكن للإنسان أن يعيش بغير روحه

ابتسمت أخيرا وأخذ يحكي لها تفاصيل تلك الجلسة مع أبيها ، وبالطبع تغيرت الصورة تماما . تعجبت لماذا لوّن الأمر أمامها بذلك اللون المقيت طالما لم يكن كلامه مع طارق بهذه القتامة.. حين عادت إلى البيت عرفت السبب

- اليوم سيأتي لأبيكِ ضيوفا ويريد أن تقابليهم

- .........؟

- ابن خاله وابنه

- منذ متى يزورنا هؤلاء ؟ إننا حتى لا نعرف أشكالهم

- هكذا قال أبوكِ ، وستطيعين.

- وما المشكلة؟! .... أقابلهم

حضر الضيفان في المساء فقابلهم أبوها مرحبا وبعد دقائق ناداها..

دخلت فسلمت عليهما ممازحة إياهما في ود القرابة التي لم تحسها حقا وإذا بأبوها يأمرها أن اذهبي وهي بالكاد قد صافحتهم واقفة لم تمس كرسيا بعد!

" عجيب أمرك يا أبي .. أوامر بالحضور ، وأوامر بالانصراف تصدرها كأنني بضاعة تعرضها عليهم!!"

دخلت الأم إليهم بما أعدته من مشروبات وحلوى لفتت نظر إسلام وعقدت مقارنة بسيطة بينها وبين ما أعد لطارق وقت أتى وابتسمت ساخرة . سريعا انتهت الزيارة والأب وحده هو من جلس إليهم وتحدث معهم فحتى أمها خرجت بعد أن قدمت الضيافة مباشرة.

فتحت أمها باب الغرفة عليها ووقفت على بابها ويد في وسطها والأخرى مستندة بها الى الباب

- أوامر أبيك تنفذينها .. هل تفهمين؟

- أي أوامر؟ هو لم يصدر أي أوامر.

- هذا الذي جاءك به هو حلم أية فتاة ، مال وشباب ووسامة.

- ............

- لن أتكلم كثيرا ، فالكلام من الآن لأبيكِ

- لا اله إلا الله

تمصمص بشفتيها وتتركها ملوحة بيديها في غضب وعبارات التحسر تتدفق على شفتيها

ما هي إلا دقائق وكان أبوها يأتيها

- ها .. ما رأيك؟

- فيم ؟

- عماد أم طارق؟

- طارق

- عماد أفضل .. هو أوسم وألطف و ثري أيضا .. أبوه ذو حسب ونسب ومركز .. طارق أبوه موظف حكومي.

- حقا .. كل هذا أكيد

انطفأت نبرة التحدي في صوته وهو يقول - ماذا؟

- هذا أكيد لا يمكن إنكاره بالطبع فليّ عينان وعقل. لكنه لا يكفي

- إذن فأنتِ تعقلين كل ذلك ، ولكن تفضلين الأدنى؟

- بالتأكيد.

لم تحاول الدفاع عن قدر حبيبها أو مجادلة أبيها . إن عابت فيه تكون ظلمته ولا ذنب له ولا دراية بما أقحم فيه .. كما أن والدها كان بالتأكيد مستعدا لدحض كل دفاع لها والواقع سيساند حجته .. كان إذا لابد من بتر النقاش.

- حسنا! فليفعل الله ما يريد

انصرف في هدوء بلا تعنيف فحمدت الله غير مصدقة وهي تشعر أنها قد ظلمت هذا الرجل كثيرا بظنها في قسوته من قبل .

والآن.. من التي لم يعجبها انتهاء الحوار هادئا؟ .. بالتأكيد مشروع الحماة المقبلة.

سمعتها تلحق به في حجرتهما تناقشه أو بالأصح تحرضه بصوت تحاول أن تخفضه ، لكن انفعالها يأبى أن يدعه خفيضا..

- عليك بلي رقبتها .. هذا الفتى لن نعوضه

- ليس لك دخل بذلك

- كيف ليس لي دخل؟ .. هي ستنسى كل هذه الأوهام. من تتزوج زيجة كهذه ستنسى ما عداها مع الأيام.

- سنرى .. أتركيني أرتاح الآن

وكالعادة تركته غاضبة ، ورفعت سماعة الهاتف في غرفتها تشتكي لأخواتها.

في اليوم التالي سمعت أباها يحدث احد أصحابه بالهاتف وعرفت أن الفتى قريبه هو من رفضها .. دارت حول نفسها سعيدة تكاد ترقص أمام مرآتها .. ضحكت كثيرا وهي تتساءل سعيدة محدثة من لا وجود لهم "أرأيتم من قبل من تفرح كل هذه الفرحة لأن عريسا يرفضها" تتمنى لو تذهب لتقول لأمها لم يخذلك أبي يا سيدتي ، إنما خذلك من تمنيته.

أحست بدمعة تسيل على خدها وهي تفكر أن هذه هي المرة الأولى التي يحاول أبوها وأمها الإتيان بعريس لها .. ألم يكن كل من يأتي تكون أختها هي المرشحة له؟ أالآن فقط يرشحونها هي؟ فقط حين وجدت من تريده نفسها ويريدها يريدون انتزاعه منها!

"حسبي الله"

كان موعدهما اليوم التالي ليأتيها في مكتبها ، وكانت تنتظره بكل الاحتياج لقلبه الطيب الذي باتت توقن أنه القلب الوحيد الذي يضمها في هذه الحياة.. انصرف زملاؤها واستمرت في العمل تنتظر قدومه .. تأخر كثيرا هذه المرة وهو ما لم يفعله أبدا من قبل..

أحست بقلق شديد فما الذي يمكن أن يعطله عنها .. أخيرا أمسكت الهاتف وقد قررت أن تتصل به .. دقت رقم بيته وهي تدعو أن تجده سالما أهم من أي شي ..لحسن الحظ كان هو من رد – السلام عليكم

- وعليكم السلام

يهمس بصوت خفيض – لن أستطيع محادثتك الآن .. سأحكي لك كل شيء فيما بعد .. سلام حتى نلتقي

وقبل أن تنطق بكلمة كان قد قطع الاتصال وتركها في حيرة لم تكن تنقصها.

عادت إلى البيت ورأسها يعج بالتصورات لما قد يكون عطل طارق ولا تجد ما يريحها. أدخلت مفتاحها بالباب وهي تسمع صوت أو فلنقل صياح والديها يصل إليها وبالتأكيد إلى الجيران. رغم ضيقها بخلافاتهم فكرت ساخرة "ربما كان ما أسعد جيراننا بهما تسلية ومسلسلات مجانية مستمرة " ضحكت كثيرا وهي تتذكر تنبيهات أمها عليهم أيام طفولتهم حين يذهبون في أي زيارة أو يأتيهم ضيوف "ممنوع الحديث عن أسرار البيت أمام احد .. ما يحدث أيا كان لا يخص غيرنا .. لا نعرف عن أحد شيئا ولا يعرف عنا أحد شيئا فالبيوت أسرار"

تتنهد وتدير مفتاحها وتدخل الشقة متمتمة بالسلام لا يتعدى صوتها شفتيها. دخلت إلى حجرتها فبدلت ملابسها ، وحاولت أن تصم أذنيها عن ذلك الصياح المتواصل . لم تكن قلقة إزاءه فعلى أغلب الظن هو ليس أمر متعلق بها ، فقد قابلت عريسهم كما أرادوا وهو من رفضها وانتهى أمره وربما يجعلهما ذلك يعيدون النظر في أمر طارق.

تخرج أمها من حجرتها وهي تكمل صارخة - أهذه تصرفات رجل عاقل؟! ، وينطلق لسان أبيها بالرد والسباب كسيل لا يمكن إيقافه.

- هذا كله حول موضوعك ( قالتها أختها)

- بل هذا كله هو الطبيعي هنا حين يكون هناك موضوع أي موضوع .. الهدوء لا يكون في بيتكم هذا إلا حين يتفرق الناس فلا يجمعهم موضوع ولا حوار.

- أنت على حق .. ولكن ما "بيتكم" هذه؟ .. إنه بيتك أيضا ، أم تراك اعتبرت نفسك قد تزوجتِ من طارق بالفعل ؟

- لم أعتبر شيئا يا أمنية ، لكنني أفرق بين كلمة منزلي وهو الواقع ، وبين بيتي ، وهو مالا أحسه.

- ومن يفعل...

تجلس إلى جوارها وتسألها في رفق – أمنيه.. أسألك وبصراحة شديدة .. هل يضايقك زواجي من طارق؟ .. إن أنا سبقتك بالزواج؟

- ههههههه .. بالطبع لا .. كلتانا قد قررت الهروب .. أنا إلى دراستي ووظيفتي فأغرق فيهما ، وأنت بالزواج من طارق أو ربما قبل ذلك بكثير حين هربت بتفكيرك إلى حبه لتبتعدي عن التفكير فيهم . تتنهد - أنا لست مثلك يا إسلام .. لا أستطيع المغامرة بقصة زواج جديدة .. يكفيني ما رأيته فيهما من فشل.

- لا يا أمنية لا يجب أن تفكري هكذا أبدا .. الفشل منهم وبسببهم .. أنت لست هي ومن تتزوجينه لن يكون أباكِ.

- أحقا تريني لست هي؟! .. أنا لا أرى نفسي كذلك . أتعلمين.. حين تحكي أن جدي هو من أرغمها على الزواج من أبي أفكر أنه ربما لو لم يكن قد فعل فربما لم تكن لتتزوج أبدا وربما كان حالها ليصبح أسوأ كثيرا .. ربما كان أبوها يفهمها جيدا.

- معك كل الحق .. لكن أنت يجب ألا تتركي نفسك لتلك الفكرة .. حتى إن كنت ترين نفسك صورة منها فإن بيدك أن تغيري نفسك ما دمتِ تدركين ذلك بالفعل.

- ياااااااااه .. دعينا من كل ذلك الآن وليكن تفكيرك في أمرك أنت .. أنا على كل حال سعيدة بنجاحي وحياتي ممتلئة عن آخرها ، فليس الزواج وحده هو ما يملأ حياة الإنسان.

- ماذا عن أمري؟أتعرفين شيئا جديدا؟ .. أهذا الصياح لأجل موضوعي حقا؟

تضحك كثيرا وهي تقول - ولأجل من إذن غيرك .. إنك موضوع الساعة الآن.

- ماذا حدث؟ .. ألم أر هذا الخاطب الذي أتوا به وهو الذي رفضني؟!

تطرق أمنية وهي تدق بقلمها على صفحات كتابها ..وتقول بنبرة كسيرة – أتدرين أنه أرادني أنا؟

تقفز إسلام من مكانها - ماذا؟!

- سمعت أبي يحكي بالهاتف .. تعلمين أن صوته صداحا

- وماذا في ذلك؟! أنا أريد طارق ، ولن يضيرني أبدا أن يرفضني ويريدك .. بالعكس أراه ممتازا وخسارتنا له حقيقية ، فلم لا؟!

- لا أفهم أباكِ .. ولكن ربما كان ذلك ضد ما خطط له .. هو أراد أن يغريكِ به فتدعين التفكير في طارق..كذلك فلا يزال يمكنه التحجج لعرقلتكما بأنني الكبرى لم أتزوج .. فإذا جاء عماد هذا فرفضك ثم أزال أيضا تلك الحجة فماذا يفعل معك إذن..

- لكن أيضيع فرصة حقيقية لك من أجل تلك الأفكار ال..

- ربما هو لا يعتقد ذلك .. هو يعرف أنني أرفض الزواج الآن بأي حال..

تنظر في عينيها مباشرة في شيء من التحدي - لكنني الآن واثقة أن هذا غير حقيقي.

- دعك من كل ذلك . أتركي لي فرصة لأقول لك آخر الأخبار التي لا أعتقد أنها وصلتك بعد.

- أي أخبار؟

- هل تعرفين أين كان أبوك بعد صلاة العشاء؟

- وكيف لي أن أدري بذلك وقد كنت في العمل؟

تقترب برأسها منها هامسة مبتسمة في خبث لطيف - لقد ذهب في زيارة مفاجئة .. إلى بيت طارق

- .................؟!!!

- لم وجمت هكذا؟ .. لقد أعجبوه و ..

تدخل الأم بوجه حانق فتصمت أمنية

- لا تتخيلي أنني سأدع هذا يحدث أتفهمين..

أمرت الأم أمنية أن تذهب للنوم في حجرة أخرى . تعجبت إسلام ولكن لم تهتم كثيرا فما كانت التفاصيل تهمها الآن قدر سعادتها بآخر كلمات أمنية ،إذا رغم أنها لم تكتمل إلا أنها بدت مفهومة تحمل البشرى في طياتها ، فنامت سعيدة وبها شوق للغد كي تكلم طارق وتعرف منه التفاصيل.

في اليوم التالي ذهبت إلى عملها وهي مستبشرة سعيدة نشيطة وأخذت تنهي ما وراءها لتفرغ لمكالمة طارق كما وعدها بالأمس وهو لا يخلف وعده أبدا . مر بعض الوقت وإذا بزميلة لها تطلب منها أن تحل محلها في الفترة المسائية حيث سيستأصلون لابنها لوزتيه. وكان هذا الطلب قد فُصِّل لهذا اليوم ، فوافقت على الفور. وجاءت مكالمة طارق أخيرا

- مبروك يا عروس .. خطبتنا الخميس القادم

- ...........

أين ذهبتِ؟

لا يكاد صوتها يخرج وهي ترد - ماذا تقول؟!

- ما سمعتي حبيبتي .... بالطبع لن أستطيع أن أحكي لك الآن ..

قاطعته بسرعة – هل تستطيع أن تأتيني بالمكتب مساءً؟ قد حللت مكان زميلة لي ابنها بالمشفى..

- رائع ، سآتيك بالتأكيد.

اتصلت بالبيت فأخبرتهم بتأخرها بالعمل هذا المساء فكان السؤال "علل لما قلت" فردت بظروف زميلتها ، فأصرت الأم على أخذ رقم تلك الزميلة بحجة الاطمئنان على خروج ابنها من العملية بسلام . أعطتها الرقم وهي تضحك في نفسها من سذاجة التصرف.

انصرف الجميع في ذلك اليوم مبكرين كي يمروا على زميلتهم لعيادة ابنها بالمشفى سويا وبقيت هي وقد اكتشفت أن زميلتها الحبيبة قد تركت لها أكواما من العمل المتراكم لتنجزه بدلا منها. غرقت في الأوراق فلم تدر بالوقت إلا وقد مر و صوت طارق مرحا يلقي السلام وهو واقف عند باب مكتبها . رفعت رأسها مبتسمة وقامت إليه ومدا أيديهما فتشابكت وتعلقت عيونهما معا.

- أقف منذ دقائق وأنت مستغرقة تماما!

تضحك - إنها أكوام من الورق تركتها لي زميلتي .. رغم ذلك أشكرها بل وأدين لها بالفضل.

- وأنا أيضا أشكرها كثيرا .... أحبك

يقتربان أكثر ، لكنه يعود فيبتعد مغمضا عينيه قائلا

- أتمنى لو أضمك ولا أتركك .. أن أدور بك حتى تلف بنا الدنيا ونرتمي بدوارنا على الأرض معا.

يفتح عينيه فيجد عينيها تسألانه بكل الشوق لم لا يفعل..

يهز رأسه أن لا ويقول لها - هل تصدقين ما حدث؟ إنها معجزة من الله ، لا يمكن ان نسميها بغير ذلك .. حبيبتي . أريد أن نشكر الله حق شكره على هذا الكرم حتى يتمه علينا.

تترك يديه وتتجه لمكتبها لتجلس وهي رغم شيء من الإحباط في نفسها إلا أنها توافقه في دخيلتها بل وتحمد الله أن منحه هذا العقل الذي يمكنه من السيطرة على مشاعره قليلا.

- لم تخبرني بما حدث..

- ألم تعرفي من البيت عندكم؟!

تهز رأسها ان لا وتتنهد قائلة – أمنية أخبرتني أن والدي قد جاءكم في زيارة مفاجئة ، لكن أمي منعتها ان تكمل كلامها .. إنها تتوعدني بأن شيئا لن يتم.

- هههه قد توقع أبوكِ ذلك

- ..........

- أحكي لكِ .. كنت أرتدي ملابسي استعدادا للحضور إليكِ حين وجدت أبي يدخل عليّ قائلا "إلى أين أنت ذاهب؟"

"هل هناك شيء؟"

"أبو عروسك اتصل الآن وقال إنه قادم في الطريق .. ألم تكن تعرف؟"

ألجمتني المفاجأة تماما وبالطبع أنكرت مجرد توقع تلك الزيارة.

ليس أكثر من ربع الساعة وكان يدق جرس الباب ، جلس معنا يتكلم ويسأل ويفتح حوارات عادية متنوعة . أحسست أن أسلوبه يشبه رجال المخابرات حقا ، يحاول أن يستشف ما وراء الكلام .. اعتقد ان أباكِ رجل ذكي

ابتسمت – هو ذاك فعلا .. لكن للأسف ليس ذكاءً اجتماعيا

أكمل دون تعليق - بعد ساعة تقريبا من الحوارات مع أبي وأختي والقليل معي ، فتح هو الحديث في أمرنا .. قال أنه ارتاح لبيتنا وأن " على بركة الله ولتكن الخطبة الخميس القادم "

حاولت الاعتراض بأن الخميس سيكون لدي عمل ، لكنه سخر مني قائلا "إن لم تكن خطبتك سببا كافيا ليحل زملاؤك محلك فأي حياة تحياها في عملك هذا؟!"

بالطبع غلبني بحجته فاستسلمت.

ردت بابتسامة باهتة - هي عادته .. دوما قوي الحجة.

- وإذن ... مبروك

ابتسمت بإحساس راحة لم تشرق في نفسها منذ أمد. أغمضت عينيها وأخذت تتمتم بحمد الله من قلبها قبل شفتيها .

- لا تبقي مغمضة عينيك هكذا فإن وجهك وأنت مغمضة العينين يغريني..

هزت رأسها وأشارت بإصبعها محذرة وهي تبتسم فضحك وقال متسائلا

- لم تحكِ لي عن أيامك الماضية....

حكت له ما كان من أمر ذلك الخاطب وما حكته أمنية ... ومن أمر أمها وما كان منها..

هز رأسه رافعا حاجبيه تعجبا – رغم إعجابي بموقف أبيكِ في زيارته لنا وقبوله خطبتنا ، إلا أنني لا أفهم تصرفه .. هل رفض قريبه لك هو ما دعاه للموافقة ؟ .. ربما! .. على أي حال هو خير لنا

ربت على كفها وهو يسألها بصوت حنون - هل ضايقك رفضه؟

صاحت – ماذا تقول! بالتأكيد لا ... الحقيقة .. ما ضايقني هو كونه أراد أمنية وأراها لديها القبول ، وأبي هو من رفض ذلك

- لها رزقها عند الله لن يفوتها

- نعم

- هيا يا عروسي الجميلة .. عليك الاستعداد لحفلك الصغير

- حفل! أتفقتم على حفل؟ ..إن فعلوا فسيطالبونك بحف زفاف فيما بعد يا طارق.

- لا يا حبيبتي .. بل هو حفل صغير لأسرتي وأسرتك فقط . قال أن هذا أفضل لكون أختك الكبرى لم تخطب بعد.

- أبي هذا عجيب يا طارق .. إن بداخله حنان جم ، لكنه لا يحب أن يبديه أبدا!

كان أمامها أسبوع حتى تحين الخطبة. سعيدة كانت ، وأبوها كذلك تبدو السعادة عليه. أختها فرحة بها وأخذت تفكر معها في إعدادات المناسبة . أمها - ويا للعجب - فوجئت بها تشتري لها قطعة من القماش وتعطيها لها " يمكنك إعداد ثوبٍ لائق " . نظرت لها غير مصدقة ، فحركت شفتيها بعصبية دون أن تخرج منهما كلمة واحدة وتركتها وانصرفت. لكزتها أمنية برفق - إنها أمك يا إسلام مهما حدث.

هزت رأسها - لست أدري .. أحقا تريد فرحتي أم فقط تحافظ على المظاهر؟

- لا تكوني شريرة .. إنها أمك.

انهمكتا سويا في إعداد الثوب ، وجاء الخميس سريعا. ذهبت إلى عملها في الصباح ، وحين عادت أخذت هي وأمنية ترتبان البيت ثم أنهت أمنية بعض التطريز بالثوب. أمهما اختفت في مطبخها لا تكلم أحد منذ الصباح حتى إذا خرجت منه كانت قد أعدت مائدة من الكعكات والحلوى من أجل المناسبة. تمنت لو تحتضنها وتشكرها ، لكن جدارا كان قد علا بينهما ليمنع المشاعر الطيبة من الظهور..

في المساء أتوا .. تكلم أبوه قليلا مع أبيها ، ثم أخيرا " على خيرة الله فلنقرأ الفاتحة" . وإذا بأبيها يغير مجرى الحديث قليلا ثم .. "أين الشبكة ؟" يصمت الجميع فتقطع أمها الصمت وتناول الشبكة لطارق فيلبسها لإسلام وتلبسه خاتمه وسط صمت مطبق ..

يقوم الجميع إلى المائدة وتبدأ الأصوات مجددا تتضاحك وعبارات المديح تعلو للأم الطاهية الماهرة حتى أباه قال لها "تسلم يدك يا حاجة إنها لأجمل من كعكات المحال الفاخرة"

انتهت المهمة بنجاح .. هكذا أحس الجميع . وعاد الهدوء إلى البيت مجددا بعد انصراف الجمع .

كانت تحلق في سماء خاصة بها لا ترى فيها غير السعادة .. تتحسس الخاتم في يدها غير مصدقة. أمها كذلك لم تعكر فرحتها وإنما سمعتها تحكي بصوت هادئ لأختها كل تفصيلة عن ذلك اليوم. ضحكت كثيرا وهي تسمعها تحكي عن كعكاتها أكثر مما تحكي عن ابنتها وعريسها .. ضحكت أكثر وهي تسمعها تحكي مغتاظة عن أبي طارق "إنه يقول لي يا حاجة .. أيراني أبيع الطماطم بالسوق!!"

جاء أبوها يسألها - ها .. مسرورة؟

- الحمد لله .. كثيرا ... أشكرك

لكن .... لم نقرأ الفاتحة؟!

- بالطبع .. قصدت ذلك.

تتعجب - لماذا؟!

- ما أدراني ألا تظنان أنكما قرأتما الفاتحة فأصبحتما زوجين؟!

ترفع حاجبيها دهشة .. لكن بلا تعليق

في أول لقاء كان أول سؤال سألته له : - أقرأت الفاتحة قبل أن تضع الخاتم بإصبعي؟

يبتسم - ما من أمر لا يبدأ بسم الله إلا أقطع .. أليس كذلك؟

تتعلق عيناه بعينيها .. - نعم حبيبتي قرأتها .. وأنتِ؟

تحتضنه بعينيها وهي تقول - قرأتها بقلبي قبل لساني.

- لا أفهم لماذا أبى والدك أن نقرأها؟! أبي أيضا تعجب من ذلك كثيرا..

حكت له ما قاله والدها فقال - لم يعد شيء يدهشني.. على أي حال ما هو مهم قد أتمه الله لنا وليمر ما عدا ذلك فلا أهمية له.

بدءا مشوار جديد من الجهاد والادخار بعد أن أصبح الصفر رصيدهما بعد تلك الشبكة التي لم تلبسها سوى يوم الخطبة . كانا يعملان ويدخران بكل ما في استطاعتهما ، وكانا يتقابلان وقد أخذ منهما الكد ما أخذ فيتصبران ببعضهما. لكنهما اكتفيا بعناق كفيهما ، فكأنما تلك الراحة التي نزلت على قلبيهما قد عصمتهما مجددا.

مرت عليهما المناسبات فكانا يتهاديا بما يحتاجا .. في يوم ميلادها أهداها حقيبة يد جديدة بدلا من تلك التي لم تستبدلها منذ بدءا مشوارهما .. في يوم ميلاده سألته عما يحتاجه ، لكنه ضحك كثيرا وقال لها - ربما لا يصح أن تأتيني بها بعد.

لم تفهم مقصده فألحت في سؤاله وكادت تغضب فأسرع مراضيا لها

- لا تغضبي أرجوك .. كل ما في الأمر أن ما أحتاجه هو بعض الملابس الداخلية.

احمر وجهها خجلى من إلحاحها وضحكت بلا صوت.

في لقائهما التالي أتته بهدية واستحلفته ألا يفتحها إلا بعد عودته لبيته . حين عاد فتح الكيس ليجد (فانلتين داخليتين) ضحك حتى الوقوع ، ولكنه أحس بشيء جديد يغزو قلبه .. إنهما يقتربان حقا من أن يصبحا زوجا وزوجة..

كان يعرف أنها ستكون وحدها بالبيت الآن فاتصل بها

- كيف حالك

- الحمد لله

- فتحت الهدية ...

- ...........

- أحبك يا ......زوجتي

- ........

كانت الكلمة أجمل من أي كلمة حب سمعتها أبدا

- يا رب يا طارق تتحقق وأكونها واقعا

- ان شاء الله حبيبتي فإن بشائر الله لنا ساطعة أمام عينيكِ

سنتان مرتا وبدأت الثالثة وجهادهما لنفسيهما ولجمع تكاليف الزواج مستمر . كل مرة ينتهيان من هدف يحتفلان سويا به كأنه أبن حقيقي لهما فمرة الثلاجة ، ومرة غسالة الملابس .. وكل مرة يضمهما الاحتفال سويا حول.. كوبين من عصير القصب أو قطعتين من الأيس كريم ... يكفيهما

في بيته كانت الأمور هادئة . في بيتها كانت تتغير عليهم أمواج ، تعلو أحيانا وتهدأ حينا. يعاكس الأب زوجته حين يراها راضية فيبدي اقتراحه بفسخ الخطبة التي طالت . ويعاندها حين غضبها فيقسم أن يزوجهما وإن لم يمتلكا شيء ..

حتى أكملت أختها دراستها وجاءت الدكتوراه أخيرا فتحول انتباه الجميع إليها ناسين أو متناسين إسلام وخطبتها التي طالت.

بدأ الخطاب يتوافدون إلى بيتهم كل حين يأتي بهم الأهل لأختها .. قد يكتشفون أن بعضهم يصغرونها بأشهر فتنظر الأم لإسلام وتتنهد بحسرة ، لكنها لحظات وتنتهي سريعا فلم يكن الآن أمرها هو المعني.

أخيرا اختارت أمنية خاطبا أقنعها . كانت تبحث عن الاقتناع قبل الارتياح .. تقول " الإرتياح كثيرا ما يكون زائفا ، أما الاقتناع فإنه يولد الارتياح فيما بعد .. أما الحب فهو وهم كبير..!"

كان خاطبها جاهزا بشقته ومهره وشبكته فانتهى الأمر في شهور قليلة وانتقلت أمنية لبيتها. افتقدتها بالتأكيد ، لكن لم يكن لديها الكثير من الوقت لتعاني من ذلك . فالعمل ثم العمل ثم العمل .. كان يشغلها ؛ تهرب به من البيت ، وتهرب به إلى الزواج.

بالطبع بدأ الضجر بحالها يشتد بعد أن أصبحت مقارنتها بأمنية قاتمة ؛ لكن قبل أن يتصعد الأمر كان طارق قد قرر فجأة أيضا فكلم والدها طالبا تحديد موعد لعقد قرانهما.

كان أبوها قد مل طول الخطبة ، فوافق مسبقا على زواجهما رغم ما أرهقه به من أسئلة عن تفاصيل التفاصيل . قبل مهره رغم تواضعه إلى جوار مهر أختها ، وقررا عقد القران بالمسجد وينتهي الأمر. نادته زوجته من خارج الحجرة فخرج إليها

- كم مهره؟

رد بغيظ - كم تتوقعين!! بالتأكيد لا يصل إلى ربع مهر أختها..

- إذن فليكتب مؤخرا لائقا.

- ...........!!

- ها؟

- وبما يفيد؟ أتريدين لابنتك الطلاق مثلا؟!

- على الأقل يرفع رأسها أمام العائلة ، وكل ما في زيجتها معرة.

يتركها ويعود له فيودعه صارفا إياه دون ذكر لما قالته زوجته وقبل أن تقرر هي الدخول إليهما.

تنهمك إسلام في إعداد أشيائها في أضيق الحدود وتساعدها أمنية في ترتيب بيتها الجديد قدر استطاعتها . أمها أيضا تقدم لها بعض الأشياء من حين لآخر.

وجاء ذلك اليوم وإسلام وطارق يمنيان نفسيهما بأجمل ذكرى ..

نادتها أمها فجاءتها مبتسمة

- ماذا قال طارق عن مؤخر الصداق؟

تهز رأسها متسائلة - لا أعتقد أن هناك أي خلاف بينه وبين أبي حول أي شيء.

- فلتعلمي إذن أني لن أدعك تذهبين إلى المسجد قبل أن أتأكد أنه سيكتب المؤخر الذي أرتضيه.

كانت نبرة التحدي صارخة في صوت الأم ، ولم تجد إسلام ما تفعله سوى مكالمة طارق - السلام عليكم

- وعليك السلام ورحمة الله وبركاته وفرحة وسعادة وكل خير حبيبتي

كانت الفرحة تملأ قلبه وصوته ولم يكن هينا عليها أن تصد فرحته بكلامها ولكن لم يكن من حيلة. أبلغته ما كان ، وانتظرت رده فاستمر الصمت فترة قبل أن يرد بجملة واحدة وأغلق الهاتف "فليأذن الله بالخير".

- فوجئت بإغلاقه للهاتف ولم تدر ماذا تفعل ..لم يبقى سوى ساعة واحدة ويجب أن تكون في طريقها للمسجد . وصلت أمنية مع زوجها وأخذت تصيح وتغني وتملأ البيت بهجة هو خالٍ منها تماما ..

لم تجد في إسلام فرحة العروس التي توقعتها ، فتوقفت وأخذتها إلى حجرتها وسألتها عما حدث. حكت لها فلم تجد ما تقوله. في النهاية هزت رأسها وقالت لها

- انظروا إلى الأهم يا إسلام .. إنها خطوة واحدة بقت وينتهي الأمر.

قالت وقد ظهر شيء من الغل في نبرتها - لو أننا لم نطعها فلن تستطيع فعل شيء والناس هناك والأمر في يد أبي.

- ششش .. إن هذا التحدي سيجر غضبا كبيرا لن ينطفئ .. إنها أمك يا إسلام لا تنسي ذلك.

يرد بتهكم - نعم أمي .. أمي التي تهددني بغضبها بينما لا يعنيها غضبي وانكساري في يوم كهذا .. أتعتقدين حقا أن الله لا يغضب إلا على الأبناء؟!!

- اهدئي يا إسلام ولا تبدئي في البكاء أرجوك . اليوم زفافك ، وستكون صور للعمر كله

ترد في ضجر - هل أفكر في صورة وأنسى أصلها يا أمنية!

تضحك أمنية - قومي فالبسي وازداني وانسي كل ذلك .. هل تعرفين ما الشيء الذي يمكنك عمله الآن؟ .. أن تتزوجي وتتركي هذا البيت. فقط خذي معك بعض النقود من أجل المأذون ، فكل ما في الأمر أن أتعابه ستزيد بضع مئات من الجنيهات.

فتحت حقيبتها وأخرجت منها مبلغا

- إسلام .. هذا المبلغ هو هدية زواجك .. لا اعتقد أنه من المناسب أن أدعه في حقيبتي حتى تذهبي إلى بيتك وأعتقد أن هذا هو الوقت الأنسب لتأخذيه.

دمعت عينا إسلام وتنهدت أمنية واحتضنتها بحنان

- لا عليك حبيبتي .. ستزيد تلك المواقف من رباطكما ، فورا الصعاب الأكثر كنز أكبر.

ابتسمت إسلام وتركتها أمنية لتلبس ثوب زفافها - والذي هو نفسه ثوب أختها استعارته منها- ودموعها تأبى إلا أن تسيل في صمت.

عادت إليها أمنية فأجلستها أمام المرآة وبدأت تضع كمادات الثلج على عينيها لتضيع احمرارهما وأخذت تصفف لها شعرها .. مالت على أذنها وهمست باسمة - كلمت طارق.

انتفضت وهي تتساءل - لماذا؟

- لماذا! زوج أختي ومن حقي أن أكلمه .. تضحك - حسنا حسنا .. لا تغضبي . كنت أقول له أن ليس في الأمر إلا بعض زيادة في رزق المأذون فلا داعي للقلق وتعكير فرحتكما في يوم انتظرتماه طويلا.

- وماذا قال؟

- قال أن أهم شيء هو ألا تقلقي أنت وسيفعل الله الخير.

تدمع عينا إسلام وهي تقول - ألم يكن من حقه أن تكون فرحته اليوم صافية بعد طول جهاده؟!

تضربها بقبضة يدها في كتفها برفق وهي تداعبها قائلة

- سيفرح وتفرحين به .. إنه يومكما . حين يضمكما بيتكما الصغير وتشعران بأن ما يتوج رأسك اليوم ليس تاج العرس هذا وإنما هو حصاد سنينكما.

دخلت أمها عليهما ورأتها في ثوب الزفاف فلم تستطع منع شفتيها من الابتسام

- مبروك

لم تستطع الرد عليها وقلبها فيه ما فيه منها

ترد أمنية - مبارك لك يا أمي الجميلة

- هل أخبرته؟

تفتح فمها لتجيب فتلكزها أمنية في الخفاء وتسارع بالرد بدلا منها

- نعم يا أمي ، وسيكون كل شيء كما تريدين.

تلوي شفتها غير مصدقة

- إنه يحبها يا أمي .. هل تعرفين .. أفكر أحيانا أن مهر وشبكة إسلام أغلى كثيرا من مهري وشبكتي.

- أي هراء هذا؟

- ليس هراء أبدا .. لقد قدم لها طارق كل ما يملكه .. كم تعادل شبكتي ومهري مما يملك زوجي؟ لا شيء يذكر. هل رأيتِ الفرق يا أمي

تبتسم ثانية وهي تشيح بيدها - مبارك عليها

تكمل أمنية تزيين إسلام وينزل الجميع للمسجد فيجدوا أن أبوها قد سبقهم وقد جلس هو وطارق وبينهما .. المأذون

****

- لم أدر ما الذي حدث! يضحك - لقد أملاني ما يجب أن أقول بسرعة كأنه يخشى أن أتراجع حتى كدت لا أعي ما أقوله .. يغرق في الضحك وهو يقول فوجئت بأنني قد تزوجت بالفعل وقضي والأمر .. يتوقف عن الضحك وهو ينظر إليها بحنان - وبأنك هناك تبكين.

أمسك كتفيها بيديه ونظر في عينيها مباشرة وهو يكمل - هل فكرتِ لحظة أنني سأضيعك مني بعد كل ذلك؟!!

ضمها إليه بكل حنان الدنيا وهو يهمس - والله لو طلبت عشر أضعاف ما طلبته لقلت أنك تستحقين أكثر.

يصمتان وتبقى في حضنه وقد أغمضا عينيهما يفكران " ما أجمل العناق وقد أصبح حقهما حلالا لا يعكره تأنيب الضمير" وأحسا كم أخطئا حين تعجلا فتسببا فيما يشوب صفاء فرحتهما الآن من ندم.

وبدءا مرحلة جديدة

كلاهما كان في بيت أبيه مقضية حاجاته فباتا الآن مسئولين عن بيتهما ترهقهما أقساطهما ويكفي المتبقي حاجاتهما بالكاد. بالتأكيد اختلفت حياتهما ، ولكن الهدوء والسعادة ظللاهما فرضيا بكل شيء وبأقل شيء. وبين عملها وعمله لاستيفاء مصاريفهما كانا لا يكادان يريان بعضهما إلا ساعات قليلة كل يوم ، لكنها كانت تكفيهما حين يريح كل منهما همومه في براح صدر الآخر ، فيكملا المسير وكلهما أمل في الغد.

شهور قليلة وأذن الله بخبر ثالث لهما آتٍ في الطريق. أحسا برباط جديد يوثقهما معا أكثر وأكثر . لم يحملا لرزقه هم فتجربتهما علمتهما ذلك

- كما رزقنا الله بما يجمعنا فسيرزقه برزقه

تبتسم راضية فليس أكثر منهما يقينا بذلك

- سأبشر أبي وأختي

- بل انتظر .. ستكون أمي أول من أخبره .. أشعر أن هذا حقها

ينظر إليها وقد أغمض عينا وفتح عين وابتسم فتغمض عينيها وتبتسم قائلة

- مهما كان ما فعلته.

تقوم إلى الهاتف فتدير الرقم ، وبعد السلام والتقديم تبشر أمها بالخبر . فإذا بها ترد ببرود الجليد

- لا تتعجلي فإن التحاليل قد تكذب في البداية

تكتم إحباطها وهي تقول في نفسها " لا فائدة" وترد بهدوء بذلت مجهودا حقيقيا للحفاظ عليه

- يا أمي قد تكذب إن كانت سلبية حين يكون الحمل مبكرا جدا فلم يظهر بعد ، ولكن ليس إن جاء إيجابيا.

- بأي حال لا تتعجلي الفرح ففي كثير من الأحيان يسقط أول حمل.

- ماذا طبختي اليوم يا أمي؟

- لقد طهوت دجاجا و ........

لم تسمع كلمة مما تقوله. كانت تسند رأسها إلى يدها وتدمع في صمت حين دخل طارق عليها فرآها على هذا الحال فأشار بيده مستفهما.

- حسنا يا أمي طارق يناديني فسـ ..

- وإذا ناداكِ تجرين إليه في الحال!

- ....... تتنهد - لا .. فقط هو قد أعد العشاء.

- حسنا .. قومي إلى عشائك ، ودللي نفسك ؛ فيكفي أنك قبلتِ به على حاله. إن أختك لديها من تعد لها العشاء و ...

- سلمي عليها ، فلم أرها منذ فترة.

- سأذهب إليها يوم الجمعة فلم لا تأتي معي؟

- يوم الجمعة هو يوم تجمع طارق وأخوته عند والدهم

تسمع مصمصة شفتيها قبل أن تقول - هو وأخوته وأبوه فمالك أنت؟!

- ماذا؟ .. آسفة لم أسمعك يا أمي فقد كان طارق ينادي مرة أخرى . سأذهب للعشاء ثم أكلمك مرة أخرى إن شاء الله.. سلام عليكم.

تضع السماعة وتنظر إلى الهاتف

كأنما أقفلت فوهة بركان من الكآبة.

يربت طارق على يدها وقد جلس قبالتها..

- لا تضايقي نفسك .. قد فعلتي ما أحسستي أنه واجبك وحقها عليك.

- لكن ردها ...

يقاطعها - ردها واضح عليك وليس في حاجة لتحكيه مجددا.

يبتسم ويكمل - الأهم هو ردك أنت.

تنظر إليه لا تفهم ما يعنيه

يقوم واقفا وقد فتح ذراعيه بشكل مسرحي

- لقد ألزمتني بتجهيز العشاء

يضحكان ويقومان سويا لإعداده.

تمر بهما الأيام وقد ثقل حملها ولم تعد تستطيع الاستمرار في العمل بالفترات المسائية فيتخذ القرار قاطعا بأن تكتفي بالعمل الصباحي. تحاول مجادلته وتحضر ورقة وقلما لتريه حساباتها لمصروفاتهما فيزيحهما جانبا ويقول

- الأهم من حسابات الورقة أن تنظري في المرآة وترين الإجهاد على وجهك كيف أصبح.

يضيق الحال بهما أكثر بالطبع ولكن يظل الرضا والثقة فيما هو قادم في قلبيهما.

يمر الوقت وهي تجتهد في الوفاء بواجباتها بالبيت والعمل ، وطارق أيضا ما بين العمل صباحا ومساءً ومحاولاته لمساعدتها وهو يرى ضعفها ودوما يقول "حقا .. وهنا على وهن". مساء ذلك اليوم كانت تعد طعام اليوم التالي بالمطبخ وكان طارق في عمله المسائي . أحست بمغصة تتزايد وتنتظم ، ومع الوقت أصبحت كأن ثقلا يضغط حوضها ويشعل كل خلية عصبية فيه بالألم ، عرفت أنه المخاض فاتصلت به في عمله..

- طارق .. تعال

- هل من شيء

- تعال أرجوك

-إسلام .. هل حان الوقت؟ هل أتصل بوالدتك؟

تصرخ بسرعة - لا .. إياك. تهدأ - فقط تعال

يستأذن من زملائه ليحلوا محله ويسرع إليها. كان الشهر يقترب من نهايته.. ومعنى ذلك مفهوم بالتأكيد. حملت معها آلامها وصعدا إلى الحافلة التي كانت محطتها لحسن الحظ أمام المشفى مباشرة. فحصها الطبيب وأكد أنها على وشك ان تضع طفلها

- هل أكلم والدتك الآن يا إسلام؟ ألا تحتاجينها معك؟

- لا .. لا احتاج سواك.. وستكون معي ، لن تتركني.

ينظر إلى الطبيب فيشير إليه بما معناه لا عليك منها الآن

- لكن أمك ربما تفيدك أكثر .. ثم ألم تكوني دوما تفكرين في حقها عليك كأم؟

تعض على شفتها من الألم وهي تمسك فيه بيدها مغلقة جفونها بشدة ، حتى إذا انتهت الطلقة فتحت عينها وهزت رأسها أن لا

-أتريد أن تجئ أمي هنا يا طارق! .. تبتسم ابتسامة متهكمة - أتراني في حال يمكنني احتمال تعليقاتها معه؟

تنهي كلماتها وتطلق صرخة قوية ، فهذه المرة لم تستطع ابتلاع آلامها. ينادي الطبيب ممرضته ويسألها أن تجهزها ويسبقها إلى غرفة الولادة.

تأخذها الممرضة إلى هناك لكنها تأبى الانتقال لسرير الولادة .. - أريد طارق

- هيا يا إسلام طفلك قادم

- لا .. بدون طارق لا ..طاااااااارق

- إسلام طفلك ها هو لا وقت للعناد

- لااااااااا

- نادي هذا الطارق بسرعة

تجري الممرضة فتناديه فيدخل مسرعا ويأخذ يدها

- لولا ما هي فيه لكان لي كلام آخر

لا يرد طارق فهو يفهم تماما قلب إسلام وحاجته له في موقف كهذا. ينظر إلى الطبيب وهو يكاد يقول له "لو أني مكانها لما كنت إلا ما كانته"

لم يدريا كم مضى ولكن بكاء ضعيف غرد فجأة وقد جمع قلبيهما عنده.

- حمدا لله على سلامتك

تبتسم في وهن

- أهناك امرأة عاقلة تريد زوجها معها وهي بهذه الحالة؟ هههه

- ليس زوجي فقط يا سيدي .. إنه قوتي.. هل كان يمكنني تحمل كل هذا بغير قوة؟!

يعقد حاجبيه لحظة ، ثم يبتسم وينظر لطارق مغبطا إياه

- حمدا لله على السلامة حبيبتي .. جئتنا بسلمى.

تبتسم وتقول - دعوني أضربها تلك التي عذبتني.

يحملها إليها فتضمها برفق وهي تخاف أن تؤذي عظامها الرقيقة ولا تملك إلا أن تبتسم لتلك البراءة التي تستحق الابتسام. ترفع رأسها وتقول لطارق

- يمكنك الآن أن تتصل بأمي وتخبرها . تحجج بأي شيء إن لامتك.

يذهب طارق ليجري المكالمة ويحمد الله أن أختها هي من ردت عليه فألقى إليها بالخبر وانتهت المكالمة بغير تحقيق طويل. عاد إليها فوجد الطبيب لا يزال عندها

- لا أفضل أن أكون ببيتي ، وطالما الأمور مستقرة فلأذهب.

- هل هناك من يخدمك بالبيت؟ بك جرح ، وعانيت المخاض فهل تقدِّرين ذلك؟

تدخل طارق في الحديث

- إن رأيت أن الأفضل لها البقاء فلتبق يا سيدي.

تسارع هي - لا يا طارق أنا بخير الحمد لله .. تلتفت للطبيب - وبالطبع معي من أهلي من يخدمني بالبيت.

يرضخ الإثنان لرغبتها ويلملم طارق حاجياتها وينزل لإيقاف سيارة أجرة تاركا إياها تستمع لتعليمات الطبيب . يعود إليها يسندها إلى ذراع ، ويحمل طفلتهما على ذراعه الآخر ويعودا لبيتهما.

بعد أن ساعدها لإبدال ملابسها والاستلقاء بالسرير ، طلبت منه ان يناولها ابنتهما.

- انظر! .. إنها نصف مني ، ونصف منك.

أحب تعبيرها كثيرا فابتسم ومسح خد الصغيرة بإصبعه .

- ناعمة صافية.. عيناها مغمضتان لم تر من الدنيا شيء بعد.

يتنهد .. - أتعرفين؟ أخاف عليها.

يتغير وجهها - ممَ؟ هل أخبرك الطبيب بشيء فيها؟

يبتسم مطمئنا إياها - لا .. ليس هذا ما أقصده... لا عليك.. هي فقط بعض الأفكار الغريبة مرت بعقلي.. سأقوم لأصلي ركعتين فهذا أفضل من لعب الأفكار بي.

تابعته وهو ذاهب للوضوء ، ثم نظرت إلى ابنتها .. قطعة منها هي ، نمت داخل رحمها من خلية لا تبين وحتى أصبحت ذلك الكائن الجميل. بدأت تحرك رأسها ويديها وتحاول البكاء بصوتها الضعيف

- ماذا؟ ... اممم أنت جائعة؟ .. يبدو ذلك.

ضمتها إلى صدرها وبدأت ترضعها ، وإحساس جديد رائع ينمو في قلبها..

أنهى طارق صلاته والتفت ليرى المنظر الجديد عليه تماما. أحس أن غيره يشاركه الآن في إسلام جسدا وروحا؛ لكنها ظلت مشاركة محببة. ابتسم ثم مد جسده على سجادة الصلاة ليسترخي قليلا بعد يومه الطويل وليستعد للذهاب لعمله بعد ساعات قليلة بقت من الليل ، فراح في سبات.

رأته إسلام فانتظرت حتى نامت ابنتها فوضعتها على السرير ثم قامت فدست وسادة تحت رأسه وغطته وجلست بجانبه تتأمل وجهه وتستعيد كلماته وإحساس أليم يمض بها

وفكرت "لا شيء يُنسَى"

تغير روتين الحياة كثيرا بوجود سلمى ؛هذه الصغيرة الملائكية التي لا تعرف بعد إلا الصفاء . أصبحت هي محور حياتهما وإن بقت لهما بعض السويعات يقتنصا فيها لنفسيهما تلاقيا لا يضيع. سنتان أخرتان مرتا و رزقا بآدم ، فكان زهرة أخرى جملت بستانهما . حين زارتها صديقاتها تضاحكن كثيرا عندما رأينه "ألا زلت تحبين زوجك إلى هذه الدرجة بعد سنوات الزواج؟!!". لكأنما كان صورة طارق طبعتها في أحشائها ثم أنبتتها جنينا جديدا.

بدأت أمورهما تستقر شيئا فشيئا وبدأ طارق يفكر في أمر جديد

- كلمني محمود اليوم ... لديه اقتراح جيد.

ترفع الملعقة إلى فم سلمى وهي تضم آدم بذراعها الآخر لترضعه.

- لم تسأليني عن اقتراحه!

تنظر إليه مبتسمة وتتوقف يدها في الهواء في منتصف طريقها إلى فم سلمى

- تعلم أنني أنتظر أن تكمل.

يبتسم - يريد أن نتشارك في مكتب خاص بنا..

تقلِّب طعام سلمى دون أن تنظر إليه ، ويبدو أنها تقلِّب أفكارها أيضا.

ينتظرها دقيقة ثم يكمل

- بالتأكيد سيحتاج ذلك بعض المال ، وكثير من الجهد.

كان آدم قد نام فقامت إسلام فوضعته بالفراش ومسحت فم سلمى بمنديل وغطت باقي طعامها ثم جلست بجانبه واضعة يدها على فخذه..

- طارق ..بالنسبة للمال فلدينا ذلك المبلغ الذي ادخرناه ولدينا كذلك هذا الذهب الذي لا يتحلى به سوى صندوقه المقفل . وبالنسبة للجهد فهذا وقته فمعك شبابك وعافيتك حفظك الله. .. أما أنا فبالتأكيد ما بين عملي ومطالب البيت لن أستطيع أن أبذل معك جهدا كثيرا .. ربما بعض الأوراق أو أعمال الكمبيوتر قد أنهيها لك بالمنزل حين ينام الصغار لكن ..

قاطعها - لست أطلب منك المزيد من الجهد يا إسلام ، فلي عينان تريان ما تفعلينه وإن لم تريا وتقدرا تكونا جاحدتين لا يبارك الله فيهما

تقاطعه هاتفة - بل بارك الله فيهما وفيك كلك وحفظك يا طارق .. لا تقل هذا الكلام أبدا

يضرب جبهته بجبهتها ضاحكا ثم يثبت عينيه في عينيها

- أحبك

- أحبك يا زوجي تبعد رأسها فاتحة ذراعيها - ويا رجل الأعمال القادم.

- ههههه

- إنني جادة.. استقرا على كافة التفاصيل و .. أعرف أنه صديقك ولكن هذا لا يمنع .. حاول أن تتقصى عن تعاملاته ، وأن تعرف عنه ما لا تراه عين المحب. الشراكة ليست أمرا بسيطا ، والكثير من الصداقات تضيع من جرائها.

- معك كل الحق .. إنني أثق فيه بالتأكيد ، ولكن مزيدا من الفهم يعني مزيدا من النجاح... يأخذ نفسا عميقا قبل أن يقول - بالنسبة لذهبك.. أحقا تودين المشاركة به؟

- أشارك! مالي والشراكة! لا .. هو مالك وأنت من تشارك.

رفع يده ناهيا وقبل أن يتكلم وضعت يدها على فمه

- أنا ملكة في بيتي ، وزوجي ينفق عليّ ويكرمني ، فلا حاجة ليّ بمشاركة ومشاريع.

- حبيبتي كلي لك.. لكنه ذهبك أنت وسيكون حصتك في ...

قاطعته - بل حصتي في قلبك ، وهي كل ما أريده حصةً لي من الدنيا.

التفت طارق إلى سلمى فوجدها قد نامت فوق دميتها فقام إليها ورفعها إلى جوار آدم ثم همس في أذن إسلام - لقد ناما

همست - أحبك .

******

تمر سنوات والدنيا لا تبقى على حالها . فيكبر عمل طارق ويستبدلا شقتهما بأخرى أفضل ويشتريا سيارة . هما يستطيعا الآن الخروج والاحتفال بمناسباتهما في المطاعم المختلفة ، ويلبسان الماركات الجيدة. تتغير المظاهر نعم ، لكن قلبيهما لم يتغيرا. لا تزال إسلام محبة حنونا كما هي ، وطارق دوما رائع معها ومع أبنائه .... إلا ما ندر.

عاد طارق من مكتبه يوما فاجتمعت الأسرة كالعادة على مائدة العشاء يتضاحكون ويحكون أخبارهم. طارق كعادته أيضا يسأل الأبناء عن تفاصيل يومهم ، ويسمع لهم باهتمام كبير ، وإسلام تراه يفعل ذلك فتبتسم ولا تعلق. هي تفهم هاجسه الدائم ولا داعي للتعليق. لكنها في بعض الأحيان تتركه معهم وتقوم متشاغلة بأي شيء كي تخفي دمعة الندم التي لا تستطيع منعها.

دخل آدم وسلمى إلى فراشيهما وبقى طارق يشاهد التلفاز وإسلام بجانبه تستند برأسها إلى كتفه وتنظر إلى الشاشة دون تركيز فيما يتحرك عليها وقالت دون ان تلتفت إليه

- سلمى كبرت

- ههههه لا تتعجلي فستجعلك أنت أيضا تكبرين. ... طارق أيضا يتغير كثيرا يتنهد - بالفعل إنهم يكبرون.

- أعنى إنها قد أصبحت آنسة.

يبعد كتفه من تحت رأسها ويلتفت إليها بنصف ابتسامة

- ماذا تعنين؟

تبتسم - أعني ما فهمته.

يضحك مقهقها - إذن قد كبرت حقا!

يسكت لحظة ثم يكمل - وإذن تحتاج إلى ملابس جديدة.

- ملابس؟!

ينظر إليها جادا - الحجاب يا إسلام

فوجئت إسلام بكلامه - لكن .. طارق .. ألا تدع لها الفرصة لتختاره بنفسها؟

يحتد صوته وإن ظل خفيضا - تختاره!! ليس في أمر ربها اختيار. يمكنك أن تقولي أن عليك أن تحببيها فيه ولكن كلام الاقتناع والاختيار لا محل له.

زفر بشدة ثم هدأ صوته مجددا وقال - صونيها يا إسلام ... إنني أدعو الله في كل صلاة أن يحفظها

تلتفت بكل كيانها إليه وقد ظهرت الحدة على وجهها وصوتها

- طارق.. ليست هذه المرة الأولى التي تبدي فيها خوفك وقلقك. لماذا كل ذلك؟! هل تراني قد ارتكبت فظائعاً تخشى أن تتكرر في بناتي؟

قامت إلى حجرتها تاركة إياه مذهولا من غضبها وكلماتها . أخذ يفكر فيما قالته. يعرف أنه يؤذيها ويعرف أنه كرر ذلك ؛ لكنه لا يتعمد ذلك حقا. إنه يجلد نفسه قبل أن يجلدها .. آه... ألا تشعر بما يشعر به؟! ألا يصيبها الندم والخوف أن يُعاقَبا في ابنيهما فيريا فيهما ما فعلاه؟!

أحس بالكآبة فضغط زر الريموت مغلقا ذلك التلفاز ومن ينوحون فيه وأقفل النور ودخل إليها.

كان ظهرها له فلم تشعر بدخوله. وكانت متكورة على نفسها في الفراش مواجهة الحائط وإصبعها يرسم عليه اسمه مراراً . أطفأ النور فأدركت وجوده ووضعت يديها تحت رأسها وأغمضت عينيها ، ورقد هو بجوارها عاقدا كفيه خلف رأسه وسرح في الظلام مع أفكاره بعض الوقت ثم التفت إليها ومد ذراعه فطوقها به وأخذ يعابث شعرها

- إسلام .. هل نمت؟

- لا

- لا تحزني .. صدقيني لم أقصد أن أؤذيك أبدا...

جذبها إلى صدره - إنني لا يمكن أن أؤذيك .. أنت واثقة من ذلك.

أحس دمعاتها تبلل صدره فضمها بشدة وتنهد

- إسلام .. إنني متعب من هذا الأمر .. أحيانا لا أستطيع كتمانه ، فسامحيني

- وهل تعتقد أني لا أفكر في نفس الشيء؟! .. لكنني لا أجلد نفسي هكذا . يا طارق لقد حاولنا كثيرا وجاهدنا أنفسنا .. ربما فشلنا في بعض اللحظات ، ولكن على الأقل كنا أفضل كثيرا من غيرنا . أنت تعرف جيدا ما يصل إليه الكثيرون وإذن نحن ...

قاطعها - لا يا إسلام. لن نقارن أنفسنا بمن أخطأ أكثر . لمَ لا نقارن بمن لم يخطئ؟

- من قال أن أحداً لا يخطئ؟! كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوّابون ..أولم نتب يا طارق؟!

- لست أدري .. أتمنى أن أحس أنني كفَّرت حقا عمّا فعلت ... أريد أن اطمئن.

- يا طــارق ألم تكن أنت من قلت لي أن الزمن يختلف ، وأنه سيأتي زمن يكون فيه الزنا في الشوارع ومن يطلب منهم فقط أن يتخذوا جنبا سيكون بمنزلة عمر؟ ..أتذكر؟!

- نعم

- إذن فليس جرمنا عظيما بالنسبة للزمن الذي نحن فيه .. أنا لا استصغره .. لكنني أطمع في رحمة ربي.

فوجئت بصوته يبكي .. كانت أول مرة في حياتهما تجده يبكي . ضمته وقلبها ينفطر داخل صدرها

- لا يا طارق .. إلا هذا .. أرجوك...

********

في الصباح التالي وكان الجمعة وقفت سلمى مع إسلام تعدان الإفطار

- سلمى .. هناك شيء لابد أن أكلمك فيه

- ما هو؟

- حبيبتي .. أنت الآن بالغة . هل تعرفين ماذا يعني ذلك في ديننا؟

- أنني سأحاسب يا أمي ... من الله. لم يعد الأمر مجرد عقاب منكما.

نظرت إليها وهي تقلب البيض وتتكلم بهذه الثقة فابتسمت وقالت

- أحسنتِ يا ابنتي

- إذن يا أمي أريد أن أطلب منك شيئا.

- أي شيء؟

- أريد أن أرتدي الحجاب.

لم تصدق إسلام نفسها. نظرت لابنتها بكل الحب وتركت ما في يدها وضمتها بشدة ..

- يـــــــاه يا سلمى.. كم وفرتِ عليّ .. وأنا أعدك أن حجابك سيكون جميلا أنيقا لا تشعرين معه بانتقاص أبدا.

أخرجتا الأطباق سويا ثم نادتا طارق وآدم وجلسوا معا

- سلمى طلبت مني شيء اليوم يا طارق

التفت طارق إلى سلمى - ماذا يا سلمى؟

احمر وجه الفتاة فهي لا تدري أن أباها يعلم بأمر بلوغها

ربتت إسلام على كتفها وهي ترد بدلا منها - إنها تريد ان ترتدي الحجاب.

ابتسم طارق وقلبه يحمد ربه - ما شاء الله .. مبارك يا سلمى. وأنا كفيل بمصاريف حجابك كأولوية قبل أي شيء آخر

ابتسمت سلمى سعيدة بفرحة أبيها بها وأخذت تقضم اللقيمات دون أن ترفع عينيها وقد غلبها الحياء.

تمر بهم السنون هادئة ، وقلب طارق يطمئن شيئا فشيئا وهو يرى آدم وسلمى يكبران بقلبين سالمين من الأهواء ونزوات الشباب. فها هي سلمى قد أصبحت شابة رائعة في العشرين ملتزمة بحجابها خلقا وليس مظهرا . وقد رزقها الله عريسا صالحا ارتضوه جميعا . إنها تبدو سعيدة به ومتفقة معه.. بل يبدوا أنها قد بدأت تحبه أيضا.

في تلك الأيام وقد اقترب زفافها لا تكاد أمها تفارقها ؛ فما بين تجهيز أشيائها وبين جلساتهما الهامسة لساعات طويلة تنصحها وتعطيها ما تحتاجه من خبرات عمرها.

يعرف طارق تماما ما يدور في هذه الجلسات ؛ ليس لكونه عارفا بحديث النساء ، لكن لأن إسلام تحكي له كل ما يدور وتستشيره وتنقل أيضا نصائحه لابنته التي يستحي وتستحي أبنته أن يتكلما فيها.

آدم كذلك قد أصبح شابا جميلا .. هو يشبه أبيه تماما لا يفرقهما إلا أثر الزمن على وجه طارق. كان قد التحق بالجامعة . اهتماماته تنحصر في ممارسة الرياضة والتفوق بدراسته. لقد اختار نفس مجال أبيه ويرغب أيضا في بدء التعلم العملي بمكتب أبيه ، وطارق يرحب بذلك بفرحة كبيرة ؛ فأن يشاركه ابنه عمله وعن اختياره ورغبته شيء يغبطه عليه كل أب. كما أنه كلما انشغل عقل ووقت آدم اطمأن عليه أكثر.

كان قد بقى أيام قليلة على الزفاف المرتقب حين دخلت إسلام على طارق بعد أن أنهت بعض أعمال المنزل فوجدته يطالع أحد كتبه. رقدت بجانبه مطلقة آهة خفيضة طويلة ، فالتفت إليها مبتسما

- قد تعبتِ هذه الأيام حبيبتي

تبتسم - لكنه تعب محبب. سعيدة بها يا طارق.. أدعو ربي أن يحقق أملها في غسان ويكون لها زوجا طيبا.

- هي طيبة يا إسلام والطيبون للطيبات ؛ ثقي في ذلك

تمسك يده الممسكة بالكتاب فتجذبها إلى شفتيها وتقبلها بحب ثم تقول

- لكن تبقى المشكلة .. ستقارنه بما رأته منك تتسع ابتسامتها - وسيكون هذا ظلم له

يضحك ملء شدقيه ويهز رأسه

- هي لا تراني بعينيك يا جميلتي ، فربما تراه أفضل مني كثيرا

تلوح بيدها علامة الرفض

-لم يوجد وسط الرجال بعد يا غالي

تكمل وقد تغيرت لهجتها - طارق.. ألا تلاحظ شيئا على آدم؟ لست متأكدة لهذا أسألك

تظهر جديته على وجهه وهو يرد - أتقصدين تلك النظرات المتبادلة بينه وبين ابنة خال غسان؟

تقفز جالسة - إذن أنت تلاحظ أيضا. لست واهمة إذن.

يتنهد - حفظه الله

- إن كنت قلقا عليه فلم لا نخطبها له؟

- كيف؟! لا يزال أمامه سنوات في دراسته ، ثم أني لا أراها تناسبه . بنات تلك المدارس الأمريكية يكتسبن أسلوب حياة ليس ما هو ما يوافق آدم أو يريحه في بيته.

- لكن هناك تأثير البيت أيضا ، وربما أن أهلها نحسبهم على خير ، فها هو غسان تبارك الله.

ينظر إليها مفكرا .. - لا يا إسلام.. ربما لو كانت ابنة خالته لقلنا أن أمهاتهما تربتا على نفس المبادئ وستـنشئان نفس التنشئة لأبنائهما ؛ لكن زوجة خاله ليست نفس أمه إطلاقا

تسكت مقتنعة فكلامه حقيقي تماما لكن هل يستطيع آدم إدراك ذلك؟

تمر الأيام ويحين زفاف سلمى وغسان . لقد كان رائعا بلا مبالغة ولا إسراف ، ولكن القلوب التي تجمعت على محبة العروسين وعلى الالتزام الجميل الذي أصرا عليه جعل الحفل مميزا. حتى أم إسلام كانت سعيدة بالحفل أيضا لدرجة أثارت دهشة إسلام وطارق فقد كانا يخشيان تعليقاتها ومقارناتها المعهودة.

كان طارق يتجول هنا وهناك مضيفا المدعوين حين أفتقد آدم فأخذ يبحث عنه ولا يجده فخرج من القاعة ليرى إن كان هناك . لقد كان هناك بالفعل واقفا مع ابنة خال غسان يتحدثان بعيدا عن ضجيج الحفل. ابتسم طارق أول الأمر لكنه عاد فألقى نظرة على لبسها فرفع حاجبه وضاق صدره وحاول إخفاء ذلك وناداهما

- آدم .. أتترك أختك في يوم كهذا؟! إنها تفتقدك

والتفت إليها - وأنت يا ابنتي ألا تنضمين للفتيات؟ إنها لحظات جميلة لا تعوض.

ابتسم آدم واستأذن من الفتاة ودخل إلى أخته بينما وقفت هي ترمق أبيه بغيظ لا تخفيه فتجاهله طارق وابتسم داعيا إياها مجددا - هيا يا ابنتي.

انتهى الحفل وذهبت سلمى إلى بيتها وعاد طارق وإسلام ومعهما آدم فقط لأول مرة. لم تبك إسلام كعادة الأمهات ، بل كانت فرحة بكل قلبها ، ولسانها لا يتوقف عن الدعاء لابنتها. كانت تشعر أنها أدت حق ابنتها في تربيتها ونصيحتها وتوصيتها بزوجها. آدم كان سعيدا لأخته ، لكنه كان يشعر أنه سيفتقدها كثيرا. لكن أمه ظلت تقول له " بل بيتها بيتك وبيتك بيتها فلا افتقاد ولا بُعد ، ولكن ستتغير الصورة قليلا وينضم للعائلة أخ جديد لك هو غسان زوجها". أما طارق فقد كان يستمع إليهما فيزداد قلقه على آدم. حين وصلوا إلى البيت دخل طارق وإسلام إلى حجرتهما ليبدلا ملابسهما ويناما

- إسلام .. بدأت أقلق كثيرا على آدم

- لماذا؟

- كان مع تلك الفتاة ابنة خال غسان خارج القاعة يتحدثان بعيدا عن الحفل

تسكت مفكرة

- صدقيني ليست مناسبة له بالمرة

- ربما ليس الأمر كبيرا كما تظن تربت على صدره - ادع له أنت وسيحفظه الله بدعوة من قلب أب. آدم رأسه ممتلئ بما يكفي لشغله وخطواته أكثر ما تكون للمسجد ، فلن يضيعه ربه.

يرتاح لكلامها قليلا ويحاول أن ينام وقلبه يرجو الله أن يحفظ ابنه ولا يأخذه بذنبه

كانوا عشر شهور مروا على زواج سلمى وقد تكورت بطنها معلنة اقتراب الشيخوخة وإعلان طارق وإسلام كجد وجدة. وكعادة إسلام كانت مغدقة على ابنتها بنصائحها في غير تدخل بحياتها.

دق الهاتف في مكتب طارق وهو على وشك الانصراف فقد تأخر الوقت

- السلام عليكم

- وعليكم السلام .. سلمى تلد ، سأذهب إليها الآن

- انتظري إذن، أنا في طريقي إليكِ

- لكن

- ليس هناك لكن ، الوقت متأخر وهذه أول ولاداتها فستأخذ وقتا طويلا. فقط اهدئي فهم عشر دقائق وأكون معك

يصل إلى البيت فيجد آدم منتظره بالشرفة وحالما يرى سيارته قادمة يدخل مسرعا ولم يكد يقف بالسيارة أمام المنزل حتى وجدهما قادمين عند مدخل العمارة.

ذهبوا جميعا إلى سلمى فوجدوا زوجها يحاول تجهيز حقيبتها فقد جاء الأمر مبكرا عن الموعد المتوقع ولم يجهزا شيئا. أما سلمى فكانت تتألم ، وتبكي خوفا من المزيد من الوجع.

أخذت إسلام عن غسان مهمة إعداد الحقيبة

- اذهب إلى زوجتك فإنها أحوج ما تكون إليك في هذه اللحظات.

انتهت منها سريعا وخرجت إليهم لتجد ابنتها تسأل زوجها ان كان ممكنا أن يعطونها تخديرا أو ما تسمع عنه من الولادة بلا ألم فتدخلت في الحديث

- سلمى أيضايقك الألم؟

تبكي قائلة - جدا يا أمي ألا ترين حالي؟

- ألم يكن الله قادرا على جعل الولادة هادئة هانئة لا ألم فيها؟

لا تجد إجابة فقد فاجأتهم بمنطقها

- سبحانه أرحم بنا من أنفسنا وله حكمة في هذا الألم وإنه ليكفر من ذنوبك ويعطيك حقك على طفلك القادم فتقبليه كي تؤجري.

قام طارق سائلا - كل شيء جاهز؟ فأومأت إسلام برأسها فقال - هيا بنا

استندت سلمى إلى ذراع زوجها وحمل آدم الحقيبة وانطلقوا جميعا إلى المشفى وقد صمّت صرخات سلمى آذانهم . ما كادوا يصلون حتى أخذ الطبيب سلمى إلى حجرة الولادة ، وما هي إلا نصف الساعة حتى جاءتهم البشرى بخروج طفلها إلى الدنيا الرحيبة.

في يوم السبوع ذبح طارق عقيقة لحفيدته، فهو يعرف أن ابنته وزوجها لا يمكنهما تحمل مصاريف الولادة ثم العقيقة أيضا. اجتمع الأهل في بيت طارق وإسلام ، وأخذ الشباب يغنون للطفل الجميل ، والكبار يدعون له ، وأم إسلام تحمله وتدقق في وجهه ، فعينه تشبه هذا وأنفه كأنف ذاك ، والكل يضحك لتشبيهاتها. بحث طارق بعينه عن ابنه فلم يجده ، فسارع يبحث عن .. قام محاولا ألا يلحظه أحد وقد وجف قلبه ودعا أن يخيب ظنه. دخل غرفته فوجدها خالية مظلمة فهم بالخروج فسمع همسا بالشرفة. تسلل دون صوت إلى حجرة سلمى فهي تفتح على نفس الشرفة فوجد آدم وتلك الفتاة يستتران بالظلام والأشجار التي تغطي الشرفة ، وقد وقفت تفتح زر قميصه وتداعب شعرات صدره ، وهو يرفع يده ليمسك كتفيها وشفتاهما تقتربان. أحس طارق بخنجر في صدره "يا ر ب .. لا تؤاخذه بخطيئتي يا رب " . يتمالك نفسه سريعا ويخرج متجها إلى باب غرفة آدم هاما بدخولها وهو يناديه كأنه يبحث عنه

- آدم

سمع آدم نداء أبيه ففزع ودفع الفتاة عنه ودخل مجيبا النداء مسرعا

- نعم يا أبي

- أتترك ضيوفك وتجلس وحدك بتلك الشرفة المظلمة؟! ثم ان الجو بارد يا بني

- آسف يا أبي سأحضر حالا

أحاط كتفه بذراعه فاشتم ريح عطرها وقد شاب ابنه فافتعل ضحكة وقال

- من يراك زائغا وحدك وسط الظلام والبرد يظن أنك تختبئ لتدخن سيجارة من وراء ظهر أبيك

يضحك آدم وإن شعر أن التشبيه أصابه ، ولكن حاله أسوأ كثيرا من صاحب السيجارة.

خرج آدم إلى الجمع ولاحظ طارق بطرف عينه الفتاة تخرج من غرفة سلمى وتجلس في طرف بعيد ترمقه متشككة. بعد فترة ينفض الجمع ويبقى معهم سلمى وغسان وطفلهما وقد قررا المبيت عندهم اليوم بغرفة سلمى .

تنتهي إسلام من إزالة آثار الضيوف وتدخل إلى حجرتها وقد دخل كل إلى حجرته ليستريح بعد صخب اليوم ، فتجد طارق ممسكا بالمصحف يقرأ فيه وعيناه دامعتان. تربت على يده لكن لا تقاطع قراءته فهي تعرف كراهيته لذلك. تهم بالرقاد في الفراش فتسمع صوتا كأنه بكاء فتقوم مسرعة لترى ما الأمر ،فإذا بآدم واقف يصلي وهو ينهنه باكيا

" هناك شيء ما حدث بينهما بالتأكيد"

تترك مكانها دون ان ينتبه آدم إلى وجودها وتعود إلى حجرتها لتجد طارق قد أغلق المصحف ويضعه في مكانه

- طارق .. ماذا حدث؟

- ماذا حدث فيمَ؟

- بينك وبين آدم .. أنت هنا تقرأ القرآن وتبكي ، وهو في حجرته يصلي ويبكي بشدة!

- دعيه يبكي فهذا أفضل كثيرا

- علام اختلفتما؟

حكى لها طارق ما حدث وجعلها تقسم ألا تكلم آدم في الأمر.

- هو ذنبي وليس ذنبه

لم تستطع أن تنطق بكلمة .. حاولت أن تجد أي تفسير آخر فلم تجد

بعد دقائق كالدهر احتضنته ..- طارق ألا تريد ان تكسب بعض الثواب؟

نظر لها غير فاهم فوجدها تبتسم في تخابث محبب فابتسم فأكملت

- ابنك تاب وعرف خطأه فانس الأمر، فخير الخطّائين التوابون .. تتنهد وتقترب بشفتيها منه داعية إياه .. - ها.. هل ستكسب بعض الثواب الآن؟.. لقد ابتعدنا كثيرا في الفترة الماضية وانشغلنا بسلمى .. أوحشتني يا رجل

يضحك وهو ينظر في عينيها الطيبتين ويفهم محاولتها لإخراجه من تلك الدوامة السوداء التي تبتلعه - حسنا أتظنين أني أخذلك؟!.. هل أغلقتِ الباب؟

أومأت أن نعم فجذبها إليه بقوة..

جلست إلى جانبه بالفراش وهو لا ينظر إليها ربما حياءً بعد أن عجز ولأول مرة في حياتهما سويا أن يكون ذلك الرجل الذي اعتادته دوما. وهي تنظر له بابتسامتها الطيبة فكر أنها تبدو أقرب ما تكون إلى أمه "كأني أراها رحمها الله رغم اختلاف شكليكما تماما إلا أنها نفس الروح والبسمة والعين التي تخترقني في حنو رفيق".

-" أحبك"

- يبتسم صامتا

- فيم تفكر؟

- كأني أرى أمامي كل أيامنا منذ أول يوم رأيتك.

يسود الصمت وتبقى العيون متلاقية يرى كل منهما في الآخر شريط طويل من الذكري يبدأ بذلك الزمن الجميل بهمومه الصغيرة التي تنحصر في كون هذا يحب تلك وتلك تغار من هذه وهؤلاء يتنافسون على الدرجات الأعلى وأولئك يمنون أنفسهم بالفوز بمنافسة ما .. ما كان أجملها من هموم!

تفيقه من الذكريات منادية إياه

- طارق

ينظر إليها والحزن في عينه

- لا يا طارق لا تدعني أرى تلك النظرة في عينك

- إنه العقاب قد أتى الآن يا إسلام.. انتظرته طوال عمري وها هو قد أتى

- ما الذي تقوله؟! أي عقاب هذا؟

- ها هو حال ابني يبكيني وها أنا أحرم ما تجنيت يوما على حرمته

- طارق! ابنك بخير .. سيدنا يوسف نبي الله قد هم .. قد أرسلك الله لأنه أراد أن ينجي ابنك لا لأنه أراد أن يعاقبك بما رأيت.

يضحك بخفوت - كم أنت رائعة في رؤيتك للأمور حبيبتي.

تقبل يده وتمسكها بين كفيها - طارق .. ما حدث الآن هو فقط نتيجة لما أنت فيه فلا يحزنك. ثم أنك تكفيني هكذا ، أم نسيت أني الآن جدة؟

يفتح عينه مبحلقا فيها - يااااه يا إسلام .. قد أصبحتِ جدة حقا! لم أر هذا أبدا

ابتسم حانيا وهو يضم رأسها إلى صدره - لازلت كأني أراكِ وأنت تكلمينني عما بي في أول حديث دار بيننا .. أتذكرين؟

تتنهد - كل دقيقة من عمري أنت فيها لا أنساها يا طارق. صدقني يكفيك ما أنت فاعله لي فليس كترفقك بي ما يغفر لك. أليس خيركم خيركم لنسائه؟ أشهد الله أني لم أكن لأحلم بوجود مثلك أبدا، وإنني لراضية بك بكل حال ، وإنني واثقة أن ما حدث سيمر وتعود كما تحب أن تكون.

تمر الأيام حتى تصبح شهورا وسنوات وطارق يرى آدم قد ابتعد عن تلك الفتاة وانتظم معه بالمكتب وبتدريبه الرياضي وبدراسته التي يثبت تفوقه ونبوغه فيها واصبح على وشك التخرج ، فيرضيه هذا مجددا ويعود للاطمئنان عليه ويظل دعاؤه دوما ألا يؤاخذ الله ابنه بخطيئته هو. ينصلح حال آدم نعم. لكن حال طارق ظل كما هو. لم تحاول إسلام أن تطلب منه الذهاب لطبيب فهي تعرف سر ما فيه ولن يعالج ما فيه طبيب. كما أنها راضية به بكل أحواله فما يربطهما أقوى كثيرا من أن يضيره شيء . طارق كان يقول لنفسه انه لن يطيب حتى يتم دفع ما عليه وإن طال سنوات، وعندها فقط لن يحتاج إلى علاج .

حتى أتى يوم دخل فيه طارق على إسلام مبتسما كما لم يبتسم منذ زمن

انظري ما أحضرت لك .. إنها تأشيرة للحج

هللت إسلام غير مصدقة واحتضنها وأخذ يدور بها ثم توقف ونظر في عينيها الحبيبتين قائلا

- وليكن الأمل أن نعود منه يا إسلام بغير ذنب

تمت