السبت، 7 فبراير 2009

قلب البحر

حين أتى ذلك المساء كان لدي إحساس غريب يحيك في صدري .. أعددت الشاي وبضع قطع من الحلوى ووضعتهم على الطاولة الصغيرة بالشرفة .. كانت النسائم الباردة تطيّر خصلاتي فتضرب عيني وأزيحها بيدي مبتسمة فطالما أحببت مداعبات النسيم البارد لوجهي .. جلست أتأمل قرص الشمس الآخذ في النزول والبحر الممتد حتى الأفق ينتظرها ... يذكرني المنظر دوما بيوم واراه التراب كأنما كان الشمس التي ينتظرها البحر ليغرقها في أعماقه المظلمة . زادت النسائم لعبًا بخصلات شعري فأغمضت عيني تاركةً خصلاتي تضرب على خدي وعيني.. أحسست كأن يدي تأتي لترفع الشعرات التي التصقت بشفتي، وكان دومًا يحب ذلك وأحب أن أمسك بأنامله حين تمس شفتي فأقبلها بكل ما أحمل له من عرفان. كانت دومًا نفس تلك الفناجين وطبق الحلوى. وكان هو من يأتي بها لعلمه بعشقي لها. أفقت على صوته الجاف:" لماذا أعددته مبكرًا؟.. لقد برد ولم يعد له طعم." رمقته بطرف عيني دون أن أجيب. " وتلك الحلوى ألا تمليها أبدًا؟!" حركت رأسي نافيةً أن يحدث ذلك، وابتسمت. " عجبًا.. لم تبق لي قطعة واحدة وتتحدث عن الملل!!" قلتها في سري بالطبع. " فقط ابتسامة هذا كل ما تملكين من ردٍ دومًا." انحنيت إلى الطاولة وأخذت فنجاني أرتشفه في بطء وأنا أتأمل البحر وقد أوشك أن يدفن قرص الشمس بكامله عند الأفق ... أحسست بدمعتي تكاد تفر ففركت عيني كأن قد أصابها قذىً لم يلق بالا كان منهمكا في الحديث بهاتفه وضحكاته تعلو وكأن أذني تسمعها صرخات تودع ذلك الذي اكتمل دفنه فأظلمت السماء ... ارتفع صوت نفير سيارة أميزه دوما فقمت أطل من الشرفة لأجد تلك الابتسامات الرقيقة تشرق والكفوف الرقيقة تلوّح لي في فرح .. ارتسمت ابتسامة في قلبي قبل شفتي وقمت لأفتح الباب بينما يرمقني بنظرة لم استطع يوما تفسيرها .. فتحت الباب وفتحت ذراعيّ أيضا فاندفع ثلاثتهم اليّ حتى سقطت أرضا وكلنا نضحك معا ، ثم رأوه فقاموا بأدب وقد سكنت ضحكاتهم وارتسمت مكانها ابتسامات دبلوماسية لست أدري كيف أمكنهم رسمها في سنهم هذه وكأنما تدربوا عليها تدريبا ! ظهرت وراءهم بطيئة الخطو متأرجحة قد فعل بها الزمان أفاعيله ، لكن الزمان ابتسامتها ظلت رائعة دوما. خرجت إليها حاملة منها الحقيبة ومحتضنة إياها فاحتضنتني بشدة ثم دفعتني عنها برفق ممسكة بذراعيّ وناظرة في عيني كأنما تكتشف أعماق أعماقي في تلك اللحظات القصيرة . وجدت ابتسامتها تذوي وذراعيها يشدانني إلى حضنها الطيب من جديد مربتة عليّ وهامسة في أذني "هوني عليك حبيبتي " كدت أبكي لكن لم يكن بإمكاني ذلك فرسمت أفضل ابتسامة يمكنني افتعالها وابتعدت عن حضنها آخذة بيدها ودخلنا سويا . ما أن رآها حتى أنهى مكالمته في الحال واندفع إليها حاضنا لها بل ورفعها عن الأرض وأخذ يدور بها حتى صاحت به " كفى يا ولد ألا ترى شيبتي؟ كيف أحتمل ذلك الدوار الذي تصيبني به .. دع تلك الأشياء لجميلتك " . رأيت في عينها نظرة متفحصة كأنما ليست تلك الجملة الأخيرة إلا اختبار تنتظر أن ترى بعينها نتيجته .. تغيّر وجهه قليلا لكنه عاد فضحك مشيرا إليّ "هي لا تُعنى بذلك أبدا .. هذا لك وحدك فقط يا أمي " . نظرت إليّ وغيرت مجرى الحديث "أين ذهب الأولاد ؟ إنهم يحتاجون إلى دورة في غسالتك فقد لعبوا بلا قيد حتى أصبحوا معفرين مغبرين ." فهمت غرضها وهو حق لها فهكذا أتمنى لنفسي حين أكبر أن يظل ليّ حق في أبنائي .. تركتهما ودخلت إلى الصغار وكنت كلي شوق إليهم بعد ذلك الأسبوع الذي قضوه عند جدتهم . أخذت أنظر إليهم دون كلمة حتى جذبني الصغير " ماما .. مالك؟!" .. رفعته وقبلته بقوة فهجم الآخران عليّ وأخذنا في هذا التضاحك حتى فطنت إلى غيابي الطويل فأخذتهم واحدا وراء الآخر فحممتهم ثم تركتهم أمام التلفاز وأخذت أعد لهم بعض الشطائر وأكواب العصير وضعتها أمامهم ولم يحتاجوا إلى كلمة فقد كان الجوع قد بلغ مبلغه بعد اللعب والنزهة مع جدتهم . عدت للشرفة حاملة أكواب العصير ووضعتها على الطاولة ثم وقفت مترددة فشدتني لأجلس وبدأت الكلام .. "شوفا كلاكما .." قاطعها رنين هاتفه الذي التقطه مجيبا كأنما هو نجدة له و .. "بعد إذنكما " .. وأسرع داخلا إلى حجرة النوم وكلانا متابعته في صمت وما هي إلا لحظات حتى كان يشير لنا بابتسامة وهو مستمر في حديثه خارجا و مغلقا باب الشقة وراءه. نظرت إليها فوجدت خيبة الأمل ترتسم على وجهها فابتسمت مربتة على يدها وهمست "انه ليس أخيه .. ولن يكونه ، فلا تبتئسي " سقطت دمعتها كأنما كانت جاهزة تنتظر كلمتي ثم قالت " ليس ذنبه صدقيني .. هو أبوه من أصر أن يحل محل أخيه " " ليس ذنب أحد .. وحتى حماي بالتأكيد كان يقصد خيرا .. رحمه الله " "لست إذن غاضبة منه؟" "ولما؟ لطالما قلت لأحمد أنه صورة من أبيه ، ولطالما أحببت تلك الصورة .. بل ربما ... لازلت " " كلاكما مظلوم يا ابنتي " تنهدت .." لست أدري أأسعد أنك (لا زلت ) وفاءً لأحمد أم أحزن لأجل إيهاب " هو المظلوم أكثر ، فما ذنب شاب مثله أن يعدم فرحة الحب والزواج ببكر يكون رجلها الأول وحبيبها وأستاذها .. بل والأدهى أن يعرف تماما أن من تزوجها تحب غيره ولا يستطيع حتى أن يثور لذلك" "صدقت .. لكن أباه قد لحق بابنه الآن .. وأنا من ناحيتي أعطيكما كامل حريتكما في وضع حد لذلك " "تأخرتِ يا خالتي....فأنا حامل" لم تعرف العجوز هل تفرح أم تجزع وانهارت في بكاء من القلب .. تركتها لتهدأ قليلا ثم .. "خالتي .. لم أستطع أن أقول له .. فهل تفعلين أنت؟ " ابتسمت حانية وهي تقول " لمَ يا ابنتي؟ إنه أمر بينكما أنتما فقط .. حاولي .. الآن وجب عليك أن تحاولي ." " حاولت صدقيني .. اليوم كنت أنوي فتح الحديث معه .. لكن تلك الذكريات تخرسني .. وكذلك .. هو .. جفاف كلماته يخرسني أكثر ... لا أستطيع." ******* استيقظت في اليوم التالي مبكرة .. صليت الفجر ودخلت إلى مطبخي فأعددت أكواب الشاي وطبق من حلوى جديدة لم أعدها منذ زمن .. وضعت كل ذلك على الطاولة بالشرفة وجلست انتظر شروق الشمس واستيقاظ الجميع. استرخيت مع نسمات الفجر وأغمضت عيني فلم أدر إلا وكلمة "صباح الخير" توقظني جلس على الكرسي المقابل وبدأ بأكل الحلوى وارتشاف الشاي باستمتاع "هممممممم إنها رائعة " انتبهت إلى الكلمة مستغربة ربما إلى حد الانزعاج " لم لا تأكلين بعض الحلوى ؟" التفت إليه غير مصدقة .. لم يكن ضوء الشمس قد بزغ بعد فكنت لا أكاد أرى ملامحه .. أحسست وجهه يتغير ألف مرة في الثانية .. أغمضت عيني لأركز وأنا ألجأ إلى الله .. "يا رب لقد مات أحمد وانتهى .. ما الذي يحدث لي؟" فتحت عيني ثانية لأجده قد توقف عن الطعام ووضع الشاي على المنضدة وقد شابك بين أصابع يده وهو ينظر لي عاضاً على شفته .. توجست كثيرا من منظره فلم أكن لأطمئن إلى ردة فعله أبدا .. أخذ عقلي يهدر كقطار .. ترى ما الذي حدث؟ .. هل صدر مني شيء بالأمس؟ .. أخذت كل الأحداث تترى إلى ذهني ولا أجد شيء ذا بال .. ثم .. ومض في رأسي حديثي مع حماتي .. أتكون ..؟ ..لا .. فمتى يحدث وأنا لم أتركها إلا مودعة لها إلى الفراش .. بدأ بالكلام ثانية.. "لم لا تأكلين ؟ .. بل أراكِ لا تأكلين أبدا من هذه الحلوى .. ألم تكوني عاشقة لها من قبل؟! " رأيت نظرته ليّ غريبة كأنما تجمع الخبث والطيبة معا أكمل " ثم انك تحتاجين إلى الغذاء .. أعني كسائر البشر ..أليس كذلك؟" انتفض قلبي وأحسست بدقاته أعلى من هدير الموج في ليل عاصف .. هززت رأسي ويدي بإشارة لا معنى لها . نظر إلى الشمس التي بدأت تظهر في الأفق وسألني " أصليتي الفجر؟ "أومأت أن نعم .. "ودعوتي؟" .. تعجبت "بمِ كان دعاؤكِ؟" ..احمر وجهي وقد حرت بما أجيبه "ألا ترين أن علاقتنا تستحق دعاؤك؟" "ماذا تقصد؟" "ألا ترين أن التغيير قد أصبح محتما؟" فتحت فمي لأجيب فأسكتني بإشارة من يده " أتظنين أنني كنت انتظر أمي لأعرف بأن شيئا ما قد تغير؟ .. إنني زوجك فكيف يخفى عليّ ذلك؟ " عاندت الفكرة وسألته "أي تغيير تعني؟ " "كنت فقط أنتظر التأكيد ، وقد أكدته لي أمي... لمَ انتظرتي ثالث ليخبرني؟ إنه أمر لا يخص سوى أثنين " هربت منه إلى الشمس التي بدأ قرصها يكبر بازغا من البحر الذي يزداد زرقة كلما زاد الضوء "تحبينها مشرقة؟" أومأت أن نعم "وتحزنين وقت الغروب!..." "....................." "إذا جاءت بنتا نسمها إشراق" أحسست بقشعريرة تعتريني .. هذا الجنين بداخلي لم أعطه أي حق .. لم أحس به .. أو أفكر له في اسم وقد قارب الثلاثة أشهر داخلي... لكنه في ليلة واحدة فعل.! "ألا تأخذين قطعة من الحلوى؟" التفت إليه فإذا هو رافعا إياها إلى فمي .. أخذتها بأسناني من يده .. وابتسمت. ******** شهور مرت والحال يتغير والعجوز تراقب وتبتسم في صمت ، تحدث نفسها بالندم ان فكرت يوما بالسماح لهما بالانفصال . انتفخت البطن بذلك الإنسان الصغير.. ذلك ال "معجزة" التي تتجدد بيد خالقها حاملة أحداث كثيرة للدنيا وقد سطر عليه في كتابه أنه هو محدثها .... جاءت لحظات المخاض .. صرخات اللم هي الصوت السائد .. عجبا إنها الولادة الرابعة وكان يتوقع أن تكون الأيسر! "آااااااااااااه" تعلو صرخة جديدة .. الكل يهرول في تجهيز الأشياء .. إيهاب شديد الاضطراب والدموع تقفز من عينه بين وقت وآخر.. هل رأيت دموعا تقفز من قبل؟! .... أمه تراقبه خلسة وهي تنتهي من إعداد الحقيبة و .."هيا بنا" يأخذ يد زوجته التي تستند إليه في وهن لتخطو خطوات قليلة قبل أن تقف دافنة رأسها في صدره وهي تصم آذانه بصرخة جديدة ينتفض معها .. يربت عليها حتى يسكن الألم فيخطوا بضع خطوات أخرى معا حتى وصلوا جميعا الى السيارة فأجلسها في الخلف وأمه بجانبها وأخذ يقود سيارته ووجهه احمر ويده ترتعش .. ترمقه أمه في صمت ولولا أنه لا يصح الابتسام في هذا الموقف لابتسمت .. وصلوا إلى المشفى .. أخذ بيدها وصعدا الدرجات القليلة واتجها إلى غرفة الفحص .. يساعدها في الصعود إلى سرير الفحص ثم .. استدارت بشدة دافنة رأسها في صدره و .... "آاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه" لكن كانت صرخته هو فقد عضته حتى أكلت من لحم صدره بأسنانها ... والعجيب أنه مع صرخته هو .. جاءت صرخة الوليد تلقفه الطبيب وهو يضحك بشدة قبل ان ينادي مساعدته لتأتيه بادواته "أسرعي فقد وضعت طفلها هنا" أكمل مهمته وقطع الحبل الواصل بينها وبين ذلك الإنسان الجديد الذي حصل على استقلاله عن منبته الآن... الطبيب : "حمدا لله على السلامة" تبتسم في وهن يرفع رأسه إلى الأب .."أول مرة أرى صرخة المخاض يطلقها الأب" يضحك إيهاب في هدوء وهو يهز رأسه" العجيب أنها كانت تصرخ كثيرا ، لكن في هذه اللحظة فضلت ان تأكلني " "حقا .. ماذا فعلت بجرح صدرك؟" تتساءل في وهن " جرح!" الطبيب : ألا تعرفين أنك قد أكلت صدر زوجك حقا؟" يحمر وجهها خجلا وانزعاجا ... يربت على كتفها "لا بأس .. قد أكلتي قلبي كله وليس تلك القطعة فقط .. لكنك أهديتني إشراق" "بنت؟" " بل غلام جميل" "فماذا تسمه إذن ؟ كنت تفكر في اسم فتاة" " هو إشراق أيضا ... ألا توافقين؟" تغمض عينها وتبتسم وتغيب في غفوة ما بعد العاصفة .. إنه البحر الأزرق .. كان ماؤه قد فقد كل عتمة في قلبه .. إنها الشمس .. لكن كأنها تشرق داخل البحر .. عجبا! لم يعد النور يحتاج لأن تخرج الشمس من البحر عند الأفق .. قد صارت تضيء قلب البحر .. تفيق من حلمها على بكاء وليدها الضعيف وصوت أبنائها يتصايحون "هذا أخونا يا عمو؟" "طالما هو أخوكم فكيف أكون عمو؟" سكتوا محتارين للحظات ثم نطق أكبرهم :" إذن نقول .. بابا؟" "وأنتم أخوة ولدي فماذا أقول لكم؟.. نعم ! هذا أخوكم إشراق يا أبنائي" في الشرفة .. الشمس تقترب من المغيب ، وهي تعد الطاولة وعليها العصير والحلوى وتجلس منتظرة وأمامها إشراق في كرسيه الهزاز الصغير .. يدخل إيهاب ضاحكا ووراءه الصغار يجرون ويضحكون ، يلتفون حول المائدة مادين أيديهم إلى الحلوى "ألا تنتظرون جدتكم؟" من اليمين إلى اليسار الجدة من الداخل آتية " دعيهم فليس لي في أكل الحلوى في هذه السن .. هناك أشياء أخرى تحلي فمي." تجلس إلى جوار ابنها ملتفتة إليه "اسمع ..." يقاطعها رنين هاتفه فيأخذه ويرد تاركا إياهم مع ضجيج الأطفال ويقف ليتحدث في الصالة .. يبدأ الكل فيسكت الضجيج وتسمعانه .. "معذرة فأنا مع الأسرة اليوم ، لا أستطيع أن أتركهم وأخرج للتنزه ..... لا بل يمكنك الحضور مع الأسرة لزيارتنا ولتروا إشراق أيضا ...." تلتفت الأم إليها وتبتسمان تنزل الشمس عند الأفق إلى البحر فتتساءل الجدة "ألا زلت تتابعين إظلام الغروب "ليس إظلاما .. بل تنزل الشمس لتنير قلب البحر "

تمت