الخميس، 13 أغسطس 2009

...في أرض العجائب

هكذا تعارفنا كانت كالطفلة المشاكسة التي تتقافز بين الزهور. تعليقاتها على كتاباتي كانت تغيظني في البداية؛ لكن مع الوقت أصبحت أبحث عنها، وأتساءل إن تأخرت. مهما جاءني من ردود تحمل القيمة التي أبتغيها من وراء وضع كلماتي على تلك الصفحات أظل غير مكتف بمن يخاطبون عقلي وأبحث عن كلماتها الساذجة التي وحدها تصل إلى قلبي. سنة كاملة مرت وقد أدمنت انتظارها، وهي بدورها لم تبخل بريي بمرحها ملء قلبي بكلماتها. لم أفق إلا وأنا أراسلها على خاص المنتدى. لم أتعد حدود الأدب قط؛ بل كان مجرد توجيه لها فيما تكتبه من أقصوصات تحتاج الكثير جدا لتصبح قصصا. أدمنت هي الأخرى تصويبي لكتابتها، واتسع مجال الحديث بيننا أكثر. كانت الخطوة التالية-وبحجة المناقشات الأدبية-هي انتقالنا إلى برامج المحادثة (الشات). لا أنسى يوم علقت لها على رد كتبته في موضوع لأحد الشباب. يبدو أنني فضحت نفسي وقتها.. ولم ترد. أيام مضت وهي لا تظهر على برنامج المحادثة. أستطيع القول أنني حمدت ربي أنها اختفت، فعدت بكل كياني إلى زوجتي. حاولت أن أحبها كعاشق لا كزوج مضى على زواجه عشر سنوات. خرجنا كثيرا.. تشابكت أيدينا في ذلك ال"كازينو" على شاطئ النيل.. اشتريت لها عقد الفل الذي كانت تعشقه أيام خطبتنا.. كنت أتذكر ما قاله إحسان عبد القدوس للمرأة إن أرادت احتواء رجلها "فاستنفذي ماله ووقته ورجولته". أنا من كنت أفعل ذلك بنفسي. جعلت كل وقتي مشغولا معها، ولجأت إلى جسدها لأغرق فيه رجولتي؛ أما المال فلم يكن مشكلة فهو بالفعل محدود هههه. أسبوعان أو أكثر قليلا مرا هكذا، وأنا أظن أنني بالفعل قد نجحت فيما أردت. عدت إلى صفحاتي وكتبت كلمات جديدة، وضعت بها كل ما أوهمت به نفسي من سعادة وحب قد تجدد. وجاء ردها.. قصير جدا؛ لكنه قصفني كألف مدفع. قالت: "لأول مرة أستاذي أشعر كلماتك مفتعلة غير صادقة.. اعذر صراحتي" زلزت.. أسرعت إلى برنامج المحادثة لكن لم أجدها. أرسلت عليه رسالة كي تراها وقت تدخل.. كلمة واحدة "أوحشتِني". هذه المرة كان انهيارا. دقائق.. فقط دقائق، وردت عليّ "أنا هنا" تبادلنا الاعتراف بالحب. قلت لها كلمات لم أقلها منذ زمن بعيد، وكتبت ليّ كلمات لم أقرأ لها مثلها قط. *** الصديق كعادة الشباب – ولا زلت أعتبر نفسي منهم، فلم أكمل الأربعين بعد- تلاقيت بالكثيرين من المنتدى وتعارفنا. ومنهم كان هذا الفتى الأشقر طيب القلب. كان من هؤلاء الناس القليلين الذين يرون دوما نصف الكوب الممتلئ. لدية التفسير الطيب لأسوأ الحوادث، ويرى بصيص الأمل وراء أحلك الصور. رغم انه يصغرني بأعوام كثيرة إلا أننا تقاربنا وأصبح صديق حقيقي لي. ذات يوم تكلمت معها عن لقاء لي معه، وأسهبت في الحديث. كان حديثا مرحا وحكايات طريفة؛ لكنني فوجئت بها تقطعه "كفى حديثا عنه إن سمحت". أحسست بدمي يغلي وسألتها ما الأمر. وكانت الطامة. قد صارحها بحبه. لم يكن حبه لها هو المصيبة؛ لكن كانت مقارنتي لنفسي به هي الألم الأكبر. ما أبعدني عن مكانه الذي يتفق مع مكانها تماما، وما أبعده عن قلبها الذي احتللته أنا تماما. هذه المرة كنت أنا من غبت، توقفت عن دخول المحادثة، وتوقفت عن دخول المنتدى. قضيت وقتي أراهما معا وأرى مدى توافقهما سنا وظروفا.. وأراني شديد البعد عن ذلك. لكن كانا يومين فقط... وعدت. كانت قد أرسلت لي صورتها.. لكم هي جميلة. أعادتني صورتها بعد يومين بلا مزيد من المقاومة. إن زوجتي هي الأخرى لا تقل جمالا، بل ربما تفوقها رغم فارق السن بينهما. إنها أيضا تتدفق أنوثة، وحنانا. لا أجد فيها نقيصة تجعلني أنجذب لغيرها؛ لكن ما حيلتي مع هذا القلب المتقلب.. ربما كان عيب زوجتي أنها ترضى بما أمنحها من حب. تفرح إن زدتها، وترضى حين أنقصها. ربما لو كانت اعترضت على انحدار منحنى غرامي بها بعد ذلكما الأسبوعين لأنقذتني مما أنا فيه؛ لكنها وللأسف لم تفعل. بعد فترة أخرى، باح لي صديقي بسر قلبه،اشتكى لي صدها. لست أدري كيف استطعت رسم الاندهاش على وجهي وأنا أقول له: -إنك لا تعرفها. أتحب مجرد كلمات؟! بالطبع اندفع يحاضرني عن كون الكلمات تظهر محتوى النفس أكثر من ألف نظرة إلى وجه من أمامك. أخذ يقنعني بما أنا بالفعل غارق فيه؛ ورغم ذلك أستنكر ما يقول، وأدعي التعقل. كنت أطلب منها التوقف عن لين الكلام معه، وكانت تضحك.. وكانت تحب غيرتي. هي أيضا كانت غيورة. لكم عنفتني لردي على فتيات أخريات بمجاملات بدت لها أرق مما يجب. بل حتى ما كن يعلقن لي به كانت تلومني أنا عليه. أحببت غيرتها كثيرا أنا أيضا. *** الوجوم قرر الفتى أن يطلبها للزواج. عنفته حتى أذهله تعنيفي. لم أمنع نفسي حتى من التشكيك بها - من أدراك أنها فتاة على خلق؟ ألا ترى تبسطها مع الجميع؟ - لا بل هي براءتها مع الجميع. - أنت لا تعرفها - سأعرفها.. أمامنا فترة الخطبة. حرت معه فاتخذت منحى آخر - هل تعتقد أن أهلها سيقبلون بك لمجرد أن لديك وظيفة وشقة؟ - ولم لا أجرب؟ لماذا أحرم نفسي من احتمال السعادة؟ لم لا أغامر من أجل أمل قد يتحقق؟ وددت أن أصرخ فيه "وتخسر صديقك وتحطم قلبه؟" لكن صرختي لم تتعد ما بين أضلعي. في تلك الليلة حكيت لها عما قرره، وبالطبع أخفيت ما قلته عنها- فأنا لم أقصده- أرسلت تسألني: - وما رأيك؟ غضبت حتى خشيت أن تلحظ زوجتي احمرار وجهي وهي جالسة تتابع التلفاز. - أتسألين أم تستفزينني؟ أحسست بروح الوجوم تسيطر على محادثتنا بعدها. استيقظت فكرة النهاية والسؤال الذي وأدناه منذ البداية " ثم ماذا؟" *** زوجتي ترقت زوجتي مديرة لقسمها بالعمل. جمع زملاؤها مبلغا وأحضروا لها حاسوبا محمولا هدية لهذه المناسبة. لاحظت أنها أصبحت تجلس إلى حاسوبها كثيرا فعلقت لها على ذلك. فردت ببساطة أنها شاركت في منتدى وبدات تتفاعل فيه كثيرا. بحزم قلت: - كيف تشتركين في مثل تلك المواقع دون استشارتي اندهشت حد الصدمة - أي مواقع؟! إنها منتديات كتلك التي تشارك فيها أنت قبلي! أسقط في يدي، فكيف أقول لها شيء وهي تعلم تماما أنني أفعل ضده. لكنني عاندت - ربما تؤدي تلك المنتديات ببعض ضعاف النفوس إلى علاقات غير صحية. ضحكت تلك الضحكة التي طالما أحببتها - أفي سني هذا تخشى عليّ؟! ثم إن الحوار كله علنيا أمام كل الأعضاء. في إصرار قلت: - لكن هناك رسائلاً خاصة. أشارت بيدها وهي لا تزال تحتفظ بابتسامتها - حسنا سأغلق الرسائل الخاصة. أحسست عند ذلك بشيء من الاطمئنان وسكت. لكنها لم تسكت - قل لي يا حبيبي.. كيف تغلق الرسائل؟ - .... رفعت حاجبيها وهي تسألني: - ألست مغلقها؟ احمر وجهي، ولم أجد أمامي إلا أن أجيبها بذلك الجواب الذي يجرحها - لست امرأة. ابتلعت الكلمة ولم تناقشها. دوما كانت حكيمة تعرف أين تتوقف عن الجدل وتتقي الخلاف. بالفعل أنا أحبها وأجدها زوجة مثالية تماما. غيرت مجرى الحديث سائلا: - في أي منتدى اشتركتِ؟ - هو منتدى نسائي يهتم بالديكور والموضة والمطبخ الخ ارتحت كثيرا لذلك. *** هل.. اليوم عدت لأجد زوجتي جالسة في وجوم وقد أطبقت حاسوبها ووضعته بجانبها. منذ فترة طويلة ليست هذه عادتها. سألتها عما بها فردت: - لا شيء.. فقط مللت. لم تقنعني إجابتها. هل دخلت على حسابي الخاص للمحادثة؟ هل عرفت شيئا؟. تذكرت سريعا أن كل ذلك ليس على حاسوبها فهدأت وقلت لها: - لست طبيعية أبدا - ليس هناك شيء. هي مجرد رسالة ضايقتني قليلا، سأقوم لتجهيز العشاء. جذبت يدها لمنعها من الذهاب - أي رسالة؟ حدقت في بدهشة وقالت: – ما بك؟ كان الغضب قد بدأ يشتعل بداخلي - قلتِ أنك ستلغين استقبال الرسائل. - ألغيتها بالفعل؛ لكن صديقاتي طلبن مني استقبال رسائلهن فاضطررت لفتحها. أمسكت حاسوبها أفتحه، فصاحت: - ماذا تفعل؟ ضغطت أسناني وأنا أقول لها - أليس من حقي أن أرى تلك الرسالة التي ضايقت زوجتي؟! بالطبع فطنت إلى شكي. أخذت الحاسوب من يدي بهدوء وهي تقول - حسنا.. سأفتحها لك دخلت على المنتدى فوقع قلبي - ليس هذا منتدى نسائيا! - نعم، هو منتدى أكتب فيه خواطري. - وكيف وصلتي إليه؟ - صاحباتي على المنتدى النسائي يكتبن به. كانت قد فتحت صندوق رسائلها. وكانت الرسالة منها.. من حبيبتي! كانت تحكي لها تفاصيل علاقتنا. حكت لها عن ذلك الآخر الذي يريد الزواج منها. حكت أيضا عما لم تحكه له، عن إصرار أبويها على خطبتها لابن عمتها. أخذت ألتهم السطور وهي تتابعني في عتاب صامت دامع. حين انتهيت لم استطع الكلام. - أشككت فيّ - آسف.. بالتأكيد لا. - هذه الرسالة ذكرتني باعتراضك على دخولي إلى المنتديات. أحسست أنك كنت على حق. نظرت إليها حائرا. تمنيت أن أقول لها "لست هذا الملاك الذي تحسبين". سقطت من عينها دمعة.. لكأنها تغسل بمائها وجه ضميري الذي نام طويلا. هي نادمة وهي لم تخطئ وأنا.. هل سأستطيع الندم؟