نفس النقاش والجدل الذي لا ينتهي
يقول في وله واضح وهو يتمايل - ألا تسمعين لحنها؟.. أسمعتي مثله أبدا؟!
تصم آذانها بكفيها مغمضة عينيها وهي تتلوى وتنوح
- بل كريــــــــــه
يسكت اللحن فتفتح عينيها، تفاجأ أنه لم يعد أمامها.. تصرخ.. تنكفئ على الأرض باكية آخذة في الضرب بكفيها على رأسها..
*****
- أخيرا أتيت!
- لا.. لن أستطيع
بكل الثقة تبتسم - بل ستجئ
الظلام حالك.. النجوم بعيــــدة بعيدة.. الزروع حتى الأفق تزيد العتمة.
رغم ذلك يراها بوضوح وهي تقترب.. إن في وجهها نور يشع على جسدها كله، شعرها الطويل المتعرج يتطاير حولها في إغواء، وهذا العطر العجيب يأسره في رحابات غير دنيوية..
تقترب منه مادة يدها إليه، يبتعد قليلا..
- ولكن.. تامر ابني!
يرتسم الغضب جليا على وجهها
- ستطيعني، وتأتي معي الآن وإلا..
كأنها طالت وطالت حتى كادت تلامس النجوم البعيدة.. تحول الوله إلى الفزع وهي تكمل
- وإلا فلن آتيك بعد الآن.
صرخ - لا.. أنت إلهامي.. كل ألحاني ما هي إلا ما أسمعه منك.. كل كياني أنتِ صانعته.
دارت حول نفسها وهي تقول
سآتيك مجددا قبل الفجر، فاعلم..إما أن تأتي ولا تعود.. أو...(مشت قليلا قبل أن تلتفت اليه، وتكمل) - تذهب ولا أعود..
*****
دخل إلى منزله.. ها هي تنام على الأريكة، وقد احتضنت تامر ، الذي ينام ودمعة على خده، ونهنهته بين حين وآخر لا تزال رغم نومه. أخذ يتأمله، ثم مد يده إليه ففزع، وفتح عينه.
- لا تخف يا حبيبي.. هذا أنا
ابتسم تامر، وعاد يغلق عينه، فربت عليه قائلا
- تعالى معي يا تامر
فتح عينه وانتبه - إلى أين يا أبي؟.. الوقت متأخر جدا
- لا يهم يا حبيبي.. لا يهم
هناك لن يهمك الوقت.. لن يهمك شيء.. وستكون مع "بابا"
أخذ ينظر في عين أبيه وهو يسمعه.. حين جذبه من يده صرخ.. فزعت أمه فوجدت أباه يهم بحمله.. قفزت من مكانها، أنشبت أظافرها في جلده.. صرخ تامر.. كانت قد تكومت على الأرض كخرقة.
حمله في صدره وجذب الغطاء الذي كانت تدثره به، فغطاه يدفئه، وانطلق.. جرى وجرى.. تسارع صدره صعودا وهبوطا.. والصبي يرتعش ويدفن رأسه في صدر أبيه خوفا من هذه العتمة.. لكن أباه يعشق هذه العتمة.. ففيها فقط تجئ
- اصبر يا تامر.. اصبر حتى تراها، فحينئذ ستنسى كل شيء عداها.
آه.. ها هي آتية من بعيد.. (يشير بيده وهو يرتجف فرحا وانفعالا) .. هناك من داخل الحقول.. هل تراها؟!
أنزله ليقف بجواره وقد أخذه جلال نورها.. الصبي يتشبث بيده
- إنها شيطانة.. إنها من لهب يا أبي!
- صه.. إنها من نور.. إنها رائعة!
يبكي الغلام - بل هي مخيفة يا أبي.. بشعة.
لا يرد عليه؛ بل يبدأ في التمايل في شجن - إنها تُسمعني اللحن الجديد يا تامر.. هل تسمعه معي؟
فتح تامر عينية عن آخرهما وهو ينظر إلى أبيه في ذهول ويأس.. أحس بالفزع وكاد يفتح فمه صارخا.. لكن فجأة.. أحس بقلبه كأنه يغسل بالثلج والبرد.. إنها أمه تبتسم له.. نور حقيقي وليست نارا كتلك الشيطانة. تضع يدها على صدره، يسمعها دون أن تتكلم
" لا تخف يا تامر.. الأطفال قلوبهم من فضة كأنهار الجنة. تموت الأبالسة، ولا يقدرون عليها. أنت أقوى منها؛ بل أنت من يمكنك إنقاذ أبيك!"
اختفت.. حلت العتمة مجددا. يلتفت فيجد الأخرى تقترب.. إنها بشعة بشعة.
يتركه أبوه، ويمد يديه إليها
- اتيت.. لم أكن أستطيع ألاّ أجيء.. لكن..
يصرخ تامر قبل أن تتلامس أصابعهما
- أبي
صرخت صرخة هزت الزروع والنجوم والرياح
- بطفل جئت أيها الأبله!
أمسك تامر بأبيه.. ضم ما طاله من جذعه.. فوجئ بأبيه يحاول دفعه عنه
- لن أدعك أبي.. لن أدعك
بل اتركني.. إنها غاضبة.. ستذهب.. اتركني
- لا
- اتركني
- لاااااا
تختفي هي وهي تصرخ بلحن كريه
يصرخ، ويصم آذانه - لاااا إنه كريـــــــــــه
يضمه الصبي بشدة ثم يسقط عند قدميه فاقدا وعيه.
*****
لا تخف يا تامر.. أنا واثق أنها ستفيق
يبكي دون رد، وهو يضع الزهرات التي أحضرها على المنضدة بجانب فراشها
- صدقني يا تامر فهكذا يقول لي الأطباء هنا.. هي تشعر بنا، فلا تجعلها تراك باكيا
يبتسم هازئا بكلماته وهو يقول في دخيلته
- بل هي معنا.. أنت من لا يحس بها
ينظر إليها
- حبيبتي.. كوني ملهمتي وسبب نجاحي.. هل تقبلين؟
يرتعش جفناها..
وينتظر...