الاثنين، 3 أغسطس 2009

جميلة

أذكر ذلك اليوم جيدا. كنت قد عدت متأخرا فتوقعت ان يكون الأبناء نائمين. فتحت الباب بهدوء، ودخلت إلى مخدعي. تحررت من رباط العنق الذي يخنقني، وجلست على الكرسي أخلع حذائي. رفعت عيني إليها، كانت نائمة؛ لكن ليست كالملاك. الملائكية بعيدة تماما عن تكوينها.. جميلة؛ بل رائعة الجمال. هذا الجسد الذي نحتته الأنوثة ليكون عنوانا لها، وهذا الوجه المتورد الذي لم تراه عينا رجل إلا وتمنتا أن يكون ملكا لهما. يتماوج شعرها الأسود الحريري الطويل ليحتضن وجهها وجسدها حتى أسفل خصرها في إغراء عجيب.

يوما ما تمنيتها كما لم أتمنَ شيئا في حياتي. وجاهدت لأصل إلى حلمي.. ووصلت. تأخرت قليلا نعم؛ لكن في النهاية وصلت.

أتذكر أمي وهي تنهرني:

- أتتزوج مطلقة؟! تريد حسرتي؟!

عجبا لتلكن الأمهات اللواتي ترين أبناءهن كأفضل الشباب، وأمل البنات.

شرحت لها كثيرا كيف أحب جيلان منذ التحقت بكليتي في سنتها الأولى وأنا في سنتي النهائية. كيف منعني فقري وقتئذ عن الاجتراء على خطبتها. إن كان غيري قد قطفها فالخطأ مني أنا.

- وها هي قد أصبحت في متناولي مرة أخرى، فأرجوكِ يا أمي أن تساعديني.

حاولت أمي أن تصل لسبب طلاقها، سألت معارفها وأوصتهم إن علم أحد شيئا أن يدلها. لكن هيهات .. فمن من معارفها البسطاء كان له أن يعرف عن تلك الأميرة!

حين تقدمت لخطبتها كان قد مر على طلاقها ثلاثة أشهر تماما؛ انتظرتهم يوما وراء يوم. كذلك كان زفاف طليقها بعد أسبوع.

نسيت أن أعرفكم بنفسي. أنا ناصر، رجل أعمال معروف. وقت هذه الحكاية كان عمري اثنين وأربعين، لكن وقت أن تقدمت لجيلان كنا أصغر بعشر سنوات. وكنت شابا ناجحا بدأت عملي الخاص الذي استقر، وأصبح يدر عليّ دخلا يكفي لحياة كريمة. بالطبع ليس بمقاييس جيلان وأبيها؛ لكن كان الأهم أنني كنت شابا وسيما طويلا لي جسد رياضي. لي عينان عسليتان تناسبان شعري الكستنائي الناعم. باختصار كنت رد اعتبار مناسب جدا لهم أمام طليقها. لم أهتم بتلك الفكرة وقتها. بل وجدت أنني من استغللتها للوصول إلى أمل عمري الذي لم أكل يوما عن الحلم به.

أفقت من ذكرياتي عليها تتقلب، وتفتح جفنيها في كسل

- تأخرت.

قالتها واستدارت لتكمل نومها.

أتأمل ثوبها.. تعشق الثياب التي تكشف جمالها.. إنها تجيد التزين كخبيرة.

عشر سنوات، وطفلان، أحدهما ابني والأخرى ابنة زوجها الأول، لم يؤثروا في جمالها إلا بزيادته. اقتربت منها، وهممت ان أضع يدي حول خصرها.. تراجعت. كم مرة أفعلها وتظل نائمة أو مدعية النوم؟!

حسنا.. حتى وإن أيقظتها فالفرق ليس كبيرا.

تذكرت يوم قابلت سابقي – طليقها- وعرفني لا أدري كيف. أتذكر ضحكته وهو يقول لي ساخرا:

- مبروكة عليك.. ثم يضغط حروفه وهو يكمل – اشـ بـ ع بها.

قمت من مكاني ووقفت أتأمل نفسي بالمرآة. دق الهاتف. فمدت يدها لترفع السماعة قائلة – من؟

مدت يدها إليّ بها، وأكملت نومها. كانت تلك الفتاة التي تلح عليّ لتوظيفها منذ أيام وأنا أحاول رفضها بلباقة. ماذا أقول لها فمظهرها غير لائق نهائيا. ليس بها من الجمال إلا بقايا ما تركت النساء ورائهن. وهي لا تعنى بإظهار أي جمال بها. تبدو أمامي كجندي.

- آسفة للاتصال الآن؛ لكن طلبت مني الاتصال اليوم لمعرفة ردك الخير بشأن توظيفي، ولم أستطع الاتصال قبل ذلك.

طرأت في رأسي فكرة وأنا أتأمل جيلان فقلت لها:

- حسنا.. تعالي غدا إلى مكتبي.

فكرت أن هذه الفتاة ربما تحرك فيكِ الأنثى أيتها الجميلة.

في اليوم التالي أصبحت كاعب (وهذا هو اسمها العجيب ليكتمل عجب شكلها مع غرابة الاسم) سكرتيرتي الخاصة. وقد وعدت وقتها بكل جدية أن تجعلني أشكر اليوم الذي وضعتها فيه بهذا المنصب.

شهور تمر ولم تخلف وعدها. كانت شديدة الجدية، شديدة النشاط، شديدة البشاشة أيضا. بدأت أرى ابتسامتها ساحرة.

- سنسافر الاثنين القادم يا كاعب.

- أمرك يا سيدي.

إنها لا تناقش أوامر العمل.. لا تقول لا أبدا. لكن توقعت ان ترفض السفر او على الأقل تتردد.

- ألا تخافين السفر؟

ابتسمت في ثقة ولم ترد

لها في نفسها ثقة رائعة. ربما أيضا لكونها تعلم أنني أصطحب زوجتي دائما؛ فهي – زوجتي- تعشق السياحة.

جاء يوم السفر ووصلت أنا وزوجتي إلى المطار فوجدنا كاعب في انتظارنا وقد انتهت من وزن الأمتعة وأخذ التذاكر.

كانت أول مرة تلتقيان.. فتحت جيلان عينيها مبحلقة بها، ثم التفتت إليّ وهي تتكلم من بين أسنانها في غيظ:

- ألم تجد واجهة أفضل لشركاتك؟!

ابتسمت وربت على يدها في حركة لا معنى لها، ومشيت بينهما وأنا أكاد أضحك من ذلك الإحساس كأني بين قطبي العالم المتناقضين عن يميني ويساري.

كلتاهما لم تحاول التقرب من الأخرى، أو حتى تبادل المجاملات المعتادة. ربما كان هذا أفضل.

طوال الرحلة كانت جيلان تتشاغل بمجلات التسوق على الطائرة، أو القراءة في أحدى تلك القصص الفرنسية التي تعشقها (عجبا). بينما اندمجنا أنا وكاعب في حوار لا ينتهي حول العمل وتخطيط الرحلة. كنت أجدها ترمقنا من حين لآخر، فتمنيت لو تكون خطتي قد نجحت أخيرا.

حين وصلنا إلى الفندق ذهبت الفتاة إلى حجرتها، واتجهنا إلى الجناح المحجوز لنا. بمجرد ان أغلق الخادم الباب وراءه ألقت حقيبة يدها في عصبية وقالت:

- ما هذا الشيء الذي أتيت به معنا؟

ابتسمت.. اقتربت منها محاولا تقبيلها؛ فدفعتني عنها.

- ما هذا؟ فيم أكلمك، وفيم تفكر؟!

جذبتها من ذراعها مجددا وأنا أنظر في عينيها قائلا من أعماق قلبي:

- أفكر أني أحبك.. أنك زوجتي.. كاعب مجرد سكرتيره، وهي تجيد دورها كسكرتيرة.

أكملت في سري " فهل تجيدين انت دور الزوجة؟"

قطعت أحاسيسي التي جاشت في هذه اللحظات بضحكتها العالية وهي تهز رأسها..

- معقول!.. أتظنني أغار منها؟!

- ألا تغارين أبدا يا جيلان؟

- ولماذا أغار يا حبيبي؟..

ولاحت منها التفاتة سريعة إلى المرآة جعلتني أسمع صوت عقلها

" لن يجد رجل أكثر مما عندي"

تركت ذراعها وجلست على حافة الفراش أعبث بأطراف غطائه.

- ما هي خطتك اليوم؟ فالاجتماعات ستبدأ من الغد، وأنا اليوم لكِ.

- اممممم إذن لنذهب للتسوق معا.

اغتظت من اقتراحها، فكل الأيام التالية ستذهب للتسوق وحدها. وليكن إذن اليوم لي.

- حبيبتي.. أتذكرين هذا الجناح بالتحديد؟

ردت وهي تعطيني ظهرها لتمشط شعرها بالمرآة:

- نعم طبعا .. كان جناح شهر العسل. - ضحكت - ألا زلت تذكر.. إنك رومانسي أكثر من اللازم.

نبرة ساخرة لم استطع إخفاءها سألت:

- وأنت؟

التفتت إليّ وقد احمر وجهها غضبا

- ماذا تقصد؟

ابتسمت واليأس يكاد يمتلكني، ورفعت ذراعي في وضع الاستسلام وقد قررت أن أكون أكثر مباشرة:

- لا شيء.. لا شيء على الإطلاق. ما رأيك أن تجعلي هذا اليوم ( أو ما بقى منه) لي.. لنا معا.. ثم تبدئين تسوقك من الغد؟

فكرت قليلا ثم ابتسمت

- لا مانع.. ولنقض سهرة جيدة معا

امتلأت نفسي بالأمل.. اغتسلت ولبست قميصا حريريا بلا غرور بدوت فيه كنجم سينمائي رائع. ارتدت هي أيضا ثوبا حالك الزرقة يكشف جيدها الوردي، ووضعت عقدا ماسيا حول رقبتها وبعض الوردات الماسية الصغيرة في شعرها، فبدت كأميرة أحلام الرجال جميعا.

حين عدنا كنا نضحك حتى يستند أحدنا إلى الآخر من شدة الضحك. كنت سعيدا كما لم أكن من زمن طويل. هي مرحة.. أراها دوما ضاحكة وسط صديقاتها؛ لكن هناك خطأ ما بيننا معا أتمنى أن أصححه الليلة.

أغلقت الباب والتفت إليها. كانت لا تزال تضحك وهي تخلع ثوبها. جذبتها إليّ.. ولم تمتنع.

خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها وتقول لي:

- لا تنس أن تترك لي كارت الفيزا.

أومأت برأسي دون أن أرد بينما استلقت هي بالفراش، وما هي إلا ثوان وكانت نائمة.

أغمضت عيني وضحكته الساخرة ترج رأسي وكلمته كالسياط

"اشـ بـ ع بها".

همست – رحمك الله يا أمي..

في اليوم التالي بدأت اجتماعات العمل. كنت دوما نجم تلك الاجتماعات. هذه المرة شاركني نجم آخر السطوع، كاعب، لم ينته اجتماع إلا ونظرات الإعجاب تلاحقها. ما بال هذا الرجل يكاد يهتم بها أكثر من اهتمامه بحديث العمل والمال!

أمسكت رأسي بيدي.. بل مالي أنا.. أجننت؟ أأغار عليك يا كاعب؟!

التفت إليها.. تلبس الجينز وقميص صوفي أعتقد أنه رجالي. شعرها عقصته في ما يشبه ذيل الحصان ب"استك" ملون. لكن ابتسامتها ساحرة.

التفتت إليّ في هذه اللحظة كأنما أحست بنظراتي فاحمر وجهها الأسمر – وربما وجهي أيضا- .. ما أروع حياؤها.

ابتسمت سريعا وأشرت لها أن تنتهي مع ذلك الشاب سريعا.

في هذه اللحظة فتح باب قاعة الاجتماعات وظهرت وراءه زوجتي.

- واو

كانت تلك الكلمة التي همس بها الجميع، والتي ابتسمت هي لها في اعتياد لرد الفعل هذا منذ صغرها.

أشارت لي مستأذنة فخرجت لها. كانت قد أضاعت مفتاح السيارة فأتت لتأخذ مفتاحي.. (هكذا ببساطة .. نعم.. لقد تعودت منها على ذلك)

انصرفت مشيرة للجميع وعدنا للعمل حتى تأخر الوقت وقرر الجميع الانصراف. خرجنا أنا وكاعب إلى الهواء البارد.

- ألا ترغبين في رؤية هذه المدينة؟

- بالتأكيد.. لكن ليس هناك وقت.

أخذت زوجتي السيارة.. فهل تحبين التمشي قليلا؟

ابتسمت متسائلة:

- في هذا البرد؟!

هززت كتفي وقلت:

- أحب المشي في البرد.

ابتسمت، ومشينا متجاورين وقد عقدت ذراعيها فوق صدرها مستدفئة بهما.

نزعت الكوفية عن رقبتي وأعطيتها لها، فلم تتردد وقبلتها ببساطة شديدة دون حتى كلمة شكر.

حين عدنا إلى الفندق ابتسمت قائلة:

- تصبح على خير.

نظرت في عينيها وقلت بلا صوت " كم أحب دفء عينيكِ". أومات برأسي واتجهت إلى الجناح. هزت هي كتفيها متعجبة – ربما من عجرفتي وعدم ردي التحية- واتجهت لغرفتها.

بعد العودة من تلك الرحلة، مرت أسابيع وأنا أحاول أن أنشغل بالطفلين عن احتياجي لزوجتي. لكن بقت كاعب أمامي كفيض متدفق من الحيوية.. إن لعينيها عمقا. هل تفهمون كيف يكون في عيني محبوبتك أعماق تجذبك؟

لا تتعجبوا.. نعم أقول محبوبتي.. والعجيب أن جميلتي السابقة لم تعد ذلك الأمل الذي لا أسأمه؛ بل لقد اعتدت أن أرى مفاتنها التي تجيد إظهارها دون أن أفتن، وأبت رجولتي أن ترغبها ثانية متحولة بكل وهجها إلى كاعب.

كانت الفتاة زكية، عملية، ومخلصة أيضا. وافقت على الزواج، واشترطت شرطان. ألا تعرف جيلان بالأمر، وأن الأمومة حق لها.. ووافقت.

عشت أياما لم أعشها طوال عمري مع فينوسي الجميلة. تدفقت دماء الحياة في قلبي مجددا. حتى علاقتي بجيلان أخذت طابعا أكثر مرحا. بالأصح فقد اتفقنا على دفء المرح في حياتنا العامة، وبرود العشق في حياتنا الخاصة.. فاعتدل الميزان بيننا.

أقسمت جيلان لصديقاتها أنني تغيرت كثيرا. فاخرتهم بقدرتها على تغييري، وتحويلي إلى كائن راقٍ أخيرا. وأقسمت أن صبرها قد أتى ثمرته وحصلت على السعادة التي تبتغيها.

أنا أيضا أسعدني اعتقادها وسعادتها، فلم يكن لضميري أن يئن. زواجي من كاعب أتى بالسعادة للجميع فأصبح يحق عليّ رد جميلها وإسعادها بكل ما أستطيع. كنت دوما أقول لها أنها كنز قد انفتح لي ولجيلان أيضا.. وكانت تبتهج.

أصبح لي أيضا بنت وولد من حبيبتي الجميلة. لقد تخرجوا الآن جميعا ويعملون بشركاتي. وكان عليّ أن أحفظ لكل حقه.

وزعت ما أملك على أبنائي الثلاثة وزوجتيّ حسب أنصبتهم الشرعية دون أن أخبرهم. لكن تكرر عليّ المرض مؤخرا واضطررت للبقاء كثيرا ببيت جيلان، وأنا أحتاج كاعب معي في شدتي.

أخاف كذلك أن يكون قد اقترب أجلي.. وأخاف من بطش جيلان بكاعب وابنيها. فكان يجب أن أنهي هذا الأمر في حياتي ولا يزال بي بقية من عافية وسطوة.

انتهزت فرصة كنا نحتسي الشاي بالشرفة سويا وبدأت الحديث

- جيلان.. هناك أمر هام يحتاج لأن نتكلم فيه

نظرت في ساعتها وقالت:

- فليكن لكن موعدي مع الحلاق بعد ساعة فلو أمكن فاختصر.

لم يحنقني ردها فأنا أعرف أهمية مواعيد التجميل بالنسبة لها والتي تزداد كلما تقدم بها العمر.

- اصدقيني القول حبيبتي.. هل منحتك ما تتمنين من سعادة؟

ابتسمت متعجبة من سؤالي وهزت رأسها متسائلة:

- أهذا هو الأمر الهام؟! حسنا.. ربما ليس في أول سنوات زواجنا؛ لكنك تغيرت كثيرا بعد ذلك.

صمتت لحظة كانها تؤكد قرارها

- نعم لقد عشت معك سعيدة كما تمنيت لنفسي تماما.

قلت في صوت حاولت جعله واثقا:

- إذن فقد وجدت سعادتك بعد ظهور كاعب.

- كاعب! ما هذا الشيء؟

همت بالوقوف وهي تنظر في ساعتها فأمسكت يدها

- أنت إذن تدينين بكل سعادتك لكاعب.. زوجتي الأخرى.

صرخت – من؟

قلت بتصميم: كاعب زوجتي يا جيلان مثلك تماما.. ولي منها ابن وابنة.

انطلقت تصرخ، وتسب، وتلعن الخيانة، والسنين الضائعة، والوهم الذي عاشته.

لم أفهم! سنوات وهي تقسم أنها حصلت على السعادة ونجحت في تغييري لما يناسبها. كل ذلك أصبح الآن كذبا ووهما لمجرد أنها عرفت سببه؟!

حزمت أمرها، وتركت المنزل غاضبة إلى بيت أبيها. علمت بعد ذلك أنها حين عرفت أن زوجتي هي تلك السكرتيرة التي رافقتنا يوما في السفر صدمت بشدة، واعتزلت صديقاتها خشية سخريتهن.

والآن قد تقدمت أيضا بدعوى قضائية تطلب الطلاق للضرر، وتطلب تعويضا عن الإهانة التي لحقتها كسيدة مجتمع.

لست أمانع في طلاقها إن أصرت على ذلك.. ولا حتى في دفع التعويض لها فلن يوازي نصيبها في ثروتي إن ورثتني كزوجة. فقط فليقنعني أحدكم كيف تحولت السعادة التي طالما أقسمت بها إلى ضرر ووهم، فلست أفهم هؤلاء النساء!