الاثنين، 29 يونيو 2009

على الغذاء نلتقي

جلسا يأكلان طعام الغذاء في صمت .. فقط صوت الملاعق وهي تخبط الأطباق " الصيني" التي تصر على استخدامها رغم أنه يكره إزعاجها حين تصطدم بها الملاعق.. أخذت تنظر إليه وهو منهمك في الأكل . لاحظها فابتسم لها ابتسامة خاطفة وأكمل طبقه مسرعا ثم قام وهو يقول "الحمد لله" ابتسمت متهكمة .. دوما الحمد لله ودوما لا شكر لغيره همست "يا أخي ده من لم يشكر العبد لم يشكر الرب" حاولت أن تكمل طعامها ؛ ولكن كان طعم الدموع في حلقها غصة. ألقت ملعقتها على الأطباق "الصيني" بعنف، وقامت جاءها صوته من الداخل "في حاجه انكسرت؟" غاظها سؤاله وغاظها صوته الواضح منه أنه يتكلم وفرشاة الأسنان في فمه. كم مرة قالت له أنها تكره أن يخرج من الحمام وهو يغسل أسنانه ورغوة المعجون تتساقط من فمه على الأرض "مافيش حاجه" انتهت من تنظيف المائدة وغسل الأطباق ، ودخلت إلى غرفة النوم .. أطلت برأسها فوجدته قد غط في نومه العميق، قلبت شفتها في امتعاض وخرجت إلى حجرتها. هي لم تكن حجرتها سابقا .. كانت تُفتَرض أن تكون حجرة لأطفالهما الذين لم يشأ الله أن يرزقانها. لكنها الآن قد أصبحت حجرتها. ها هي ملابسها وقد وضعت بعضها بالصوان الصغير وعلقت الباقي هنا وهناك. و ها هي مكتبتها الصغيرة وقد انتقلت إليها كل كتبها - أو بالأصح رواياتها الرومانسية- تاركة المكتبة الكبيرة بغرفة الاستقبال لمجلداته في أبحاث اللغة. وها هو ..أهم ما لديها .. حاسوبها المحمول (اللاب توب) ، كيانها المحبوس بين شاشة ولوحة مفاتيح. أغلقت الستائر الداكنة وجلست في سريرها مقرفصة ، ووضعت حاسوبها في حجرها. تغير تعبير وجهها أخيرا إلى الاسترخاء وهي تضغط زر التشغيل. ظهرت قائمة أصدقائها المتواجدين الطائر .. ابنها الكبير .. لا ليس لديها الآن سعة الصدر التي تسمع بها مشكلاته التافهة الجريحة .. ترى كيف هي أخبارها وماذا فعلت مع زوجها .. لكنها الآن لا تستطيع الحديث معها "أنا محتاجه اللي يسمعني مش اللي اسمعه دلوقت" القلب الحنون .. " أيها الشيخ الحكيم .. ربما لست بحاجة إلى حكمتك الآن ؛ بل ربما تبدو لي مستفزة" "ها" _ كليك_ - انت هنا - ازيك -ازيك انت فينك من 3 ايام - كان عندي امتحان معلش فمكنتش بدخل خالص - امتحان ايه؟ - بقدم لشغل أقول لك خبر حلو - يا ريت نفسي اسمع خبر حلو - مالك يا أميرة الأحلام؟ - أبدا بس الدنيا ما فيهاش حاجه تبسط قل لي انت الخبر اللي عندك - هو خبر هيبسطك لأنه يخصك انت كمان - ؟ - اتقبلت في الشغل - أخيرا مبروووك - ده توفيق من ربنا عشان رزقنا يا أميره تغمض عينيها بشدة _ دنج_ تفتح عينيها على الصوت وتمط شفتيها لا تدري ما تقول - رحتي فين يا حبيبتي - معاك يا مصطفى كنت بدعيلك بس - ربنا ما يحرمني من قلبك الجميل يا نور عيني انت بس اثبتي مع اهلك شويه وانا مجرد ما اثبت أقدامي في الشغل أجيلهم والشقه موجوده الحمد لله - ربنا يوفقك يابني - ابنك هاهاها تغلق المحادثة "انتهت أيامك يا مصطفى .. كنت رقيق جدا .. خساره" _كليك_ _ بلوك _ _ سيرش فور فريندز _ "35 سنه متزوج رومانسي معذب في الحياه... أها .. ممكن يكون مناسب" - أنا أسيرة الظلام أبحث عن صديق يساندني وأسانده فهل أجده فيك يا معذب في الحياة؟ " مستنيه ردك يا سي معذب .. نتسلى مع شيخ الحكمه لحد ما ترد" - السلام عليكم يا أبي - يا أهلا بابنتي الجميلة يفتح شباك آخر وتطل فيه الجريحة بسؤالها - انت هنا ياماما؟ تزفر في تملل - أيوه يا جريحه عامله ايه - انا تعبانه قوي محمود لسه زعلان و - معلش يابنتي اصل ابني وعياله هنا ومش هعرف اكلمك - طيب هنتكلم امتى انا محتجالك قوي - حبيبة قلبي عنيه لك اول ما ينزلوا على طول هدخل اكلمك اصل دلوقت العيال بيلعبوا عالكمبيوتر تغلق المحادثة دون انتظار رد - نعم يا أبي معذرة فقد كانت أمي تطرق الباب وقد تفهم محادثتنا بشكل خاطئ تفهم طبعا - أفهم يا حبيبتي لكن ألم تفكري في اقتراحي أن أراك خارج الشبكة العنكبوتية؟ أغمضت عين وفتحت عين وقد ارتسمت ابتسامة هازئة على وجهها وهي تكتب - لكن يا أبي - يا ابنتي أنا كأبيك فلم تخافين مني؟ ثم أنك كبيرة خمسة وعشرون عاما يكفون تماما لجعلك تستطيعين الحكم على من تكلمين ومعرفة صدقه من خداعه يهتز جسدها وهي تضحك بشدة كاتمة صوتها - لكن دعوتك لي إلى منزلك لا أعتقد أن أهلي سيرضون بها يا أبي - إنها كذلك لتتعرفي على أبنائي وبناتي وتصبحين منهم فيعوضونك عما تلقينه من أسرتك " آه يا ماكر يا فاجر .. وماسك لي عالفصحى قال عشان ترسم هيبة الشيوخ وأصدق انك تقي وإمام جامع" - أقول لك على شيء كنت أريد أن أجعله مفاجأة لقد كنت أريد أن تري ابني لكي أخطبك له "هاهاها ... ماشي ياعم الشيخ" لا ترد عليه لبرهة - آلو - مضطرة للذهاب الآن يا أبي فأمي تصرخ كعادتها سلام عليكم وتغلق المحادثة ، وقد أحست بوجهها يلتهب سخونة والعرق يغرق جسدها ودقات قلبها تكاد تخرق صدرها فتهز رأسها في عنف كأنها تطرد تلك اللحظات من عمرها تنهر نفسها في همس "لحد فين هتوصلي يا ست يا محترمه باللي بتعمليه ده .. ربنا يستر .. ربنا يستر" تطوي حاسوبها على ما يحويه من زمن تائه في أيامها . تكتشف أن الظلام قد حل ؛ ولكن ماذا يهم! تبقى في سريرها سارحة حتى تسمع صوت باب الشقة فتنهض لترى ماذا هناك نور حجرة الاستقبال مضاء .. كوب الشاي الفارغ ، وبعض فتات الكيك على الأرض .. وعقب سيجارته لا يزال مشتعلا. كالمعتاد نزل ، وكالمعتاد في صمت ، وكالمعتاد لن تسأله أين يذهب تجمع الفتات وتأخذ الكوب مطفئةً السيجارة به وتتجه إلى المطبخ . تجهز ما سوف تطهوه للقاء - أقصد غذاء- اليوم التالي ثم تدخل لتنام