الخميس، 9 أبريل 2009

حواديت الست الدكتوره

حواديت الست الدكتوره(1)
كان يوما شاقا منذ أول ساعاته. إنه آخر أيام الأسبوع ، وقد تراكم إرهاق أيامه الطويلة عليها فاشتاقت إلى إجازة الجمعة أكثر من اشتياقها للهواء تتنفسه. أخيرا انتهى العمل وانصرفت آخر مريضاتها. رمت بجسدها على كرسي المكتب ونظرت إلى الممرضة - اسمعي كل ما تبقى نصف ساعة ولكنها تعطيني أكثر من ساعة ونصف - أكيد يا دكتور فالمواصلات تكون أيسر كثيرا قامت وهي تلتقط حقيبتها وتتجه إلى الباب قائلة: - حاولي أن تبقي الباب مغلقا فلا تنقصني المشاكل مع المدير إذا عرف ضحكت الممرضة العجوز - يا دكتوره من يبلغون المدير ، والمدير نفسه لن يكونوا موجودين ؛ ليس بعد الثانية عشر يوم الخميس. كانت قد خرجت من الغرفة ،فلم ترد عليها وتسابقت قدماها على الطريق وصلت إلى منزلها فوضعت حقيبتها على أقرب طاولة وخلعت حجابها ودخلت إلى المطبخ بملابسها فلا وقت لتغييرها. وضعت الآنية على النار وكانت قد أعدتها في الليلة السابقة وأعدت طبقا من السلاطة التي يقدسها زوجها ، ثم أخذت حاجياتها ودخلت غرفتها لتغير ملابسها وتغتسل وتدرك صلاة الظهر قبل فواتها "كم تعجلتِ زواجي يا أمي لأحمل كل تلك المسؤوليات" هكذا فكرت وهي تعد المائدة فقد حان موعد وصول زوجها وحالا وجدت صياح ابنيهما من وراء باب الشقة وقد أتى بهما من الحضانة. جلسوا جميعا يأكلون ويتحاكون بلا لحظة من الصمت ، وهي لا تكاد تسمع شيئا ؛ بل تكاد لا تراهم أمامها . وكلما وجه إليها أحدهم الكلام ردت على ما لم تفهمه بابتسامة غبية ، أو كلمة "لا تتكلم وأنت تأكل" انتهوا من الطعام فأزالت آثار الأطفال الثلاثة - ابنيها وأبيهم- ثم تركت كل شيء بالمطبخ كما هو ؛ فقد وصلت إلى آخر ما تستطيعه. - عالية.. عالية .. بالكاد ستلحقين موعد عيادتك فتحت عينيها بصعوبة ، وهي تتمنى لو يتركها لإغماءتها قليلا .. ماذا لو لم تذهب الليلة إلى ذلك المستوصف؟! نظرت إليه.. لكن البيت يحتاج لتلك الجنيهات التي تتكسبها منه. كما أن اليوم هو يوم قبض مستحقاتها عن هذا الشهر ، وتنتظره قائمة طويلة من الإلتزامات. ابنها الكبير قد نحل سروال الحضناة من ركبتيه كأنما يسير عليهما لا على قدمين .. مصاريف الحضانة يجب دفعها أول الأسبوع القادم.. تحتاج إلى جوربين فقد هلكت "اساتك" ما لديها فأصبحت تتدلى في شكل مهين ..فاتورة الكهرباء .. زجاجة شامبو .. و سبراي العرق لزوجها والذي لن يحضره لنفسه أبدا ، وهي لا تطيقه بدونه. شدت نفسها من الفراش وبعد نصف ساعة كانت تودع أطفالها وتنزل إلى المستوصف الكائن بمنطقة ريفية ليست بعيدة بدأت تناظر مريضاتها واحدة تلو أخرى ، وكان يوما مزدحما . رغم ما في ذلك من رزق هي في حاجة إليه ،إلا أن إرهاقها لم يسمح لها بالرضا عن ذلك الزحام. خرجت احدى المريضات فوجدت عبد العليم (ذلك الذي ينظم العمل بالمكان وينظفه ويعد اشياءه) يدخل إليها أخيرا.. - انتهينا؟ - لا يا دكتورة .. هناك ثلاثة كشوف واستشارة قلبت شفتيها في ضيق - لكن هناك قبلهم كشف منزلي صرخت في وجهه بصوت حاولت كتمه -ماذا؟ ..الآن!! - إنه رزق يا دكتورة فلا نقطعه بأيدينا.. ثم اقترب هامسا - ثم أنها عروس لم تفهم مقصده، فهزت رأسها مستفهمة. ابتسم كخبير وهو يسألها - كم لك في هذه المهنة يا دكتورة؟ نظرت اليه ممتعضة دون أن ترد فأكمل - يبدو أنك أول مرة تسمعين فيها عن مثل تلك الحالات ، وهذا معناه أنك جديدة في هذه المهنة. - لست جديدة تماما ، فلي فيها ثلاث سنوات ؛ لكن عملي بالمستوصفات بدأ فقط منذ جئتكم أي منذ خمس شهور هز رأسه في زهو من صدق توقعه - وهناك فرق كبير بين الحالات التي تأتي للمستشفى الحكومي ، والتي تأتي للمستوصف - لا تطل فإن رأسي متصدع وحده ولا يحتمل المزيد .. ماذا يريدون لتلك العروس؟ وكأنما سألت السؤال فوجدت إجابته ففتحت عينيها عن آخرهما وهي تسأله مذهولة - لا تقل أنهم يريدونني ... - نعم يا دكتورة ... يريدون شرفها - لكن... - أي لكن؟ إن مثل هذه الحالات تدفع مثل حصيلة نصف شهر من تعبك على الأقل.. ثم أنك تقدمين خدمة إنسانية قبل أي شيء ، وتنقذين فتاة بريئة من الظلم الذي قد يودي بحياتها سواء قتلوها أم تركوها لتعيش بعار لم تركتبه.. أنت طبيبة وتفهمين ذلك أكثر مني. أوجع لها ضميرها وأحست أنه على حق . ربما كان عليها إنقاذ تلك العروس من جهل أهلها وزوجها. - حسنا لكن لننته ممن هم هنا أولا كي أخرج من هذا الكشف إلى منزلي مباشرة فلا أعود لأجد مزيدا من المريضات فقد تأخر الوقت كاد يقفز وهو يقول - هكذا يكون الكلام.. وخفض صوته ثانية - ثم إنهم عائلة غنية احست بالتقزز منه وهي تراقبه خارجا ينادي في سعادة - هيا يا أنعام صرت أسنانها فقد كانت تكره نطق الإسم مغلوطا بفتح الألف هكذا وكرهت جو الجهل الذي يحيطها من كل ناحية انتهت سريعا من مريضاتها وخرجت ومعها عبد العليم يحمل الحقيبة فمثل تلك المستوصفات لا يوجد بها ممرضات.. وصلوا إلى الشقة وكان بابها مفتوحا فدخل عبد العليم وهي من ورائه. كان على يمينها صالة قد اجتمع فيها ما يزيد عن عشر رجال وقد غطى وجوههم ظلاما ونكسوا رؤوسهم صاح عبد العليم - السلام عليكم بمجرد أن قالها خرجت سيدة تهرول من تلك الطرقة إلى اليمين وهي تضع يدها على صدرها وتتساءل في لهفة - الطبيبة؟ - نعم ناولها عبد العليم الحقيبة فخطفتها من يده وهي تقول تفضلي وتكاد تدفع عالية دفعا إلى الداخل فتحت باب الغرفة فإذا بالعروس المعنية على حرف سرير وحولها أربعة من النساء غير تلك التي أتت بعالية التي نظرت إليهن في صمت . تكلمت تلك السيدة تشرح الأمر - أنا أمها وهذه أختها وهذه أم عريسها وخالته وأخته نطقت بحزم واستنكار - وماذا يفعلن هنا ردت بنفاذ صبر - يا دكتورة هذه تقاليدنا وليس هذا وقت مناقشتها ردت باقتضاب - ما المشكلة بالتحديد؟ فردت أم العريس وقد بدا عليها مزيج من القلق والتحفز - هذه هي المشكلة ورفعت بيدها قصاصة من القماش الأبيض سارعت أم العروس تشرح - لم تأت ابنتي بدم ولا نقطة واحدة رفعت العروس رأسها وهي تصرخ - يا دكتورة أنا ممرضة وفاهمة للأمر جيدا .. غشائي مطاطي ولن يجيء بالدم إلا بمشرط احست عالية بالدماء تندفع إلى رأسها وكادت أن تسألها ساخرة "وكيف عرفتي؟" .. لكن نظرة إلى الموجودات أخرستها. نظرت في عيني العروس مباشرة في احتقار فإذا بها تبادها بنظرة تحمل الكراهية والتحفز لم تحتمل الموقف فخرجت من الغرفة . فتحت فمها لتقول لعبد العليم أنها لن تفعل شيئا لتلك ال "فتاة" ؛ لكن بمجرد خروجها هرولت وراءها أم العروس والقصاصة البيضاء في يدها ، وإذا بالرجال يقومون معا كأنما على اتفاق وكل أعينهم تتجه إليها ثم إلى القصاصة في يد الأم التفتت إلى عبد العليم مجددا فرأت القلق في عينيه وهو ينظر إليهم ، فالتفتت نحوهم مجددا فلمحت نصلا لامعا يسارع أحدهم إلى إخفائه مال عبدالعليم نحوها هامسا - إنه أخوها ثم علا بصوته - إذن هل تحتاجين لشيء آخر؟ ردت في وجوم - مشرط دخلت إلى غرفة الفتاة مجددا وجلست تنتظر في صمت. نظرت إلى عينيها ، وكادت تقسم أن هذا الحوار قد دار بينهما "أنت كاذبة" "وأنت لن تفضحينني .. لا تجرؤين على ذلك" "وما ذنب ذلك الزوج؟" "لن ترضين بقتلي" "تكادين تستحقينه.. ليس فقط لفعلتك ؛ وإنما لاجترائك وتبجحك" " لن تطاوعك نفسك أن تكوني سببا في قتلي .. ثم أن قسم مهنتك يمنعك" "لكن قسم مهنتي لا يعطني الحق في خداع رجل في شرفه" وبمنتهى التحدي تجيبها "إذن حركي ساقيك وأخرجي معلنة أن لا شأن لك بالأمر" "فاجرة.. تعرفين أنني قد حاولت بالفعل ولم أستطع" تفيق عالية على أم الفتاة تعطيها ما أحضره عبد العليم.. تأخذه منها وتفتح الحقيبة فتلبس قفازاتها .. تدعو الله أن تجد ما يكذب اتهامها للفتاة. تقترب منها فتكشف عليها وتتأكد.. تكاد تنهار؛ لكنها لا تستطيع التراجع .. تمسك بالمشرط وتضرب به ضربة خفيفة فينبثق الدم أحمرا مغرقا تلك القصاصة وتعلو الزغاريد تخطف أم العروس القصاصة رافعة يدها ، وهي تزغرد بلسانها ، وبيدها الأخرى تضغط صدرها الذي واتاه ألم مرض القلب الذي تعانيه.. لكنها تتجاهله وهي تجري مزغردة إلى الرجال تنظر عالية إلى العروس فتجد نظرة تشف تملأ عينها في تبجح عجيب وابتسامة ساخرة تظهر على جانب فمها.. تجمع حاجياتها وتلقي القفازين أرضا وتخرج متجهة إلى الباب مباشرة ، والجميع في شغل عنها. الرجال يتصايحون مباركين للعريس الذي اتسعت ابتسامته . والأم ترفع راية ال "شرف" فوق رأسها وترقص بها متناسية آلام صدرها.. وعبد العليم يجادل أخا العروس في أجرته وحلاوته الخاصة تنزل السلم فيلحق بها ويعد بعض ورقات مالية ربما كانت مائة من الجنيهات -أجرك يا دكتورة - هل خصمت نصيب المستوصف؟ - نعم - خذ الباقي لنفسك - ماذا! .. إنهم كثير .. ربما أكثر من عمل أيام كثيرة بالمستوصف يا دكتورة - خذهم هدية مني .. ليس كل شهر يمكنني أن أعطيك شيئا ، فورائي التزاماتي ... وربما لن يتكرر ذلك ثانية الحلقة الثانية دخلت عالية إلى غرفتها (عيادتها) ووراءها دخل عبد العليم مسرعا وأغلق الباب خلفه - دكتوره .. اليوم أحتاج استشارة سرية جدا - لمن؟ - أخي - أخيك؟ - أعني ابنته - مالها؟ - لست أدري .. لقد قصدوني لكي أسألك زفرت وقد غاظها غباء حديثه - يا عبد العليم .. هل قصدوك للسؤال عما لا تعرفه؟!! - أعني .. لقد وسطوني ليصبح الأمر سرا - حسنا دعها تجيء مع أمها كأن الأم هي صاحبة المشكلة - وأخي؟ - لا .. وجوده سيلفت أنظار المرضى وأنت تريد الأمر سرا - اتفقنا .. ولتخبريني أنا بالأمر لأبلغه رفعت يدها ناهية إياه - انس أن أحكي لك ما لا يخصك كتم غيظه وشكرها وانصرف فأدخل المريضات وكن قليلات في ذلك اليوم فانتظرت لفترة ثم قامت هامةً بالانصراف وإذا بعبد العليم يفتح الباب وهو يطرقه ويطل برأسه مبتسما تلك الابتسامة التي تكرهها - لقد جاءت - من؟ - إسعاد زوجة أخي - آه ..نعم .. لقد نسيت خرج لثوان وعاد ومعه إسعاد تجر طفلة ربما لم تكمل السابعة من عمرها لها وجه بريء وقد بدت فيه كدمة حديثة فوجئت عالية بذلك المأفون يجلس مبتسما ويدعو إسعاد للجلوس كأنما هو في بيته لم تجد إلا أن تنسى اللياقة لبعض الوقت وتقول له - إذا سمحت يا عبد العليم فلتخرج وتغلق الباب خلفك - لست غريبا يا دكتوره ، أنا عم البنت استعارت كل السخافة التي تستطيعها وقالت - هذا الكرسي للمريضة وذاك لأمها . انتظر بالخارج وسأناديك إن احتجت إليك احمر وجهه ، وقام خارجا وهو ينثر كلمات لا تعلو كثيرا ، وربما كان ذلك من حسن الحظ كي تستطيع تجاهلها نظرت إلى الفتاة أولا وابتسمت لها - اجلسي .. ما اسمك؟ - عليّة - ياه .. جميل اسمك يا علية .. أنا اسمي عالية وإذن فنحن نحمل نفس الاسم تقريبا حاولت الفتاة الابتسام والدموع والخوف يلتهمان ملامحهاوردت الأم - يا دكتوره ما حدث هو .. اشارت بيدها تسكتها - عيني أسأل علية أولا يا إسعاد لوت إسعاد شفتيها واضطرت للصمت فليست أمام فتحية جارتها كي تكيل لها الصاع صاعين تجاهلتها عالية وابتسمت للطفلة وقد قامت إليها مربتة على كتفها - ماذا حدث يا عليّة؟ .. ولا تخافي من أي شيء فأنت هنا لعلاجك ردت عليّه بصوت يكاد لا يخرج - هو قال لي أنه يحبني ويريد أن يكشف علي ليطمئن عليّ - من هو؟ - أخي حامد رفعت حاجبيها وهي تكرر ..- أخوك حامد! ونظرت لإسعاد - كم عمر حامد؟ - خمسة عشر - وماذا حدث بالضبط؟ - كما قالت لك البلوة التي أمامك - بلوة!...تنهدت وسألت الطفلة - كيف حدث ذلك يا عليّة؟ ألم تكن أمك موجودة؟ اختنق صوتها أكثر - لا يا دكتوره .. كانت هي وأبي في حنة ابنة عم مسعود وأخي عليّ كان مع أصحابه خارج الدار قاطعت الأم الحوار وقد أحست أن تلك الطبيبة تنزع اللوم من ابنتها لتلقيه عليها - يا دكتوره .. لقد أحضرنا البنت لتري ما كان في أمرها.. سليمة أم لا .. وليس للتحقيق كضابط! كادت عالية تخنقها ولكنها تماسكت لأجل خاطر الصغيرة - تعالي يا عليّة وأخذتها إلى سرير الكشف مشيرة إلى إسعاد أن تقوم لمساعدتها عادت إلى مكتبها وتركت الأم طفلتها وراء الحاجز وأسرعت تجلس قبالتها وهي تنتظر منها الكلمة التي ستحدد مصير ابنتها ظلت عالية صامتة تتأمل الم لفترة وهي تفكر " هل ستفهمين ما أقول؟ .. ما الذي يجب أن أقوله لذلك العقل محكم الغلق الكائن في رأسك؟" أخذت تعد الكلمات في ذهنها بحرص حتى أتت عليّة فجلست أمامها وقد احمر وجهها حياءا بعد تجربة الكشف الكريهة في سنها البرئ في هدوء بدأت عالية تتكلم - يا عليّة .. لم تكن هذه هي المرة الأولى .. صح؟ ازداد احمرار وجه الطفلة وبدأت تنهنه دون دموع فربتت عالية على يدها المستندة إلى المكتب - لا تخافي .. أنت بخير واجهت الأم وقد تغيرت لهجتها - أريد حامد لأتكلم معه قليلا جزعت إسعاد حتى كادت تقفز ؛ فقد فاجأتها الدكتوره بما لم تتوقعه رسمت عالية الحزم على وجهها بكل ما استطاعت وهي تقول - ابنك يغتصب اخته منذ فترة .. إنه لا يزال صغيرا ولهذا السبب فقط فهي لا تزال سليمة ؛لكن .... قاطعتها إسعاد - طالما هي سليمة فلم تتهمين حامد؟ - أتهمه! .. أنا لا أتهمه يا سيدتي . أنا واثقة مما أقول - لكن هذه ال"بلوة" .. أهي سليمة حقا؟ - بلوة! بلوة يا إسعاد!! .. حرام عليك فوجئت بإسعاد تنهار باكية وهي تقول - يا دكتوره .. البنات هم حتى يأخذهن أزواجهن . لقد كدت أموت منذ وجدت ذلك اللون في سروالها أشفقت عالية عليها مما عانته ومن جهل وثقافة بيئة لا ذنب لها فيه فقالت لها في رفق - لا تخافي يا إسعاد فعليّة سليمة .. لكن بها التهابات شديدة هي السبب فيما وجدتي. أردفت - لكن حامد يجب أن يعرف أن ما فعله جرم في حق أخته ويمكن أن تحاسبه الشرطة عليه إن لزم الأمر خبطت إسعاد صدرها بيدها وهي تكاد تصرخ - شرطة! تنهدت عالية - لن أفعل ذلك بالطبع ؛ لكن يجب أن يخاف كي لا يكررها ومن يعلم ما يمكن حدوثه كلما كبر. صمتت برهة لكي تدعها تستوعب ثم قالت - وأنت يا إسعاد .. لا تتركي ابنتك معه وتذكري "وفرقوا بينهم في المضاجع" والآن هل تعدينني بإحضاره لأكلمه؟ - بالتأكيد يا دكتوره .. فلسنا نستغني عن شرفنا ولا نحتمل العار أبدا ******** نزلت عالية من المستوصف بعد انتهاء عملها في طريقها إلى موقف "السرفيس" .. مشت بعض خطوات ثم كادت تصطدم بطفلة تجرها أمها في الاتجاه المعاكس مسرعة والطفلة تلتفت نحوها وتشير إليها بيدها . أين رأت تلك الطفلة من قبل؟ .. تذكرتها فجأة .. - علية! لقد مر شهرين ولم يأتها حامد .. استدارت لتنظر وراءها فوجدت الطفلة لا تزال ملتفتة إليها من بعيد وتمد يدها .. لكن الظلام أخفى عينيها البريئتين الحلقة الثالثة

كان هذا يوم خفارتها بالمستشفى .. كل شيء هادئ منذ الصباح ولم تخرج من حجرتها بسكن الطبيبات بالمستشفى .. تنهدت وهي تفكر "ألم يكن بيتي أولى بهذه الساعات ، وليكلموني إن أتت حالة ، فما هي إلا محطة مترو واحدة" وكأنما يعاقبها ربها على بطرها بما أعطاها من ساعات الراحة فقد قطع تفكيرها صياح عاملة السكن - دكتوره عالية .. دكتوره عالية - نعم نعم .. ها أنا ذا - دكتوره عالية .. دكتوره عالية - صه.. ماذا؟! ها أنا أمامك اضغطي زر السكوت - تليفون .. يريدونك بالحوادث أخذت منها سماعة الهاتف بعصبية - نعم أنا عالية - حالة نزف شديدة يا دكتوره - من المتكلم؟ - أنا حازم ، طبيب الامتياز - هل المريضة في صدمة؟ - لا إنها واعية ، النبض سريع ولكن الضغط طبيعي. ولكنها باهتة جدا ويبدو أنها نزفت كثيرا - إجهاض؟ - بل زفاف - ماذا؟ - فلتأت يا دكتوره وستعرفين فعن نفسي فهذه أول مرة أرى مثل ذلك ابتسمت وهي تقول في نفسها "لازلت طبيب امتياز فكل الحالات لك ستكون أول مرة" - على أي حال ركب لها إبرة وريدية وعلق لها بعض المحاليل إلى أن آتيك وضعت السماعة وسارعت إلى غرفتها فالتقطت حجابها ومعطفها وسارعت إلى الإستقبال بلا عجلة فهي تعرف كم يفزع منظر الدماء هؤلاء الأطباء حديثي التخرج فيبالغون في تقديره وصلت إلى غرفة الاستقبال فوجدت جمعا من رجال ونساء خارجها فتجاوزتهم ودخلت لتجد المريضة في سرير الكشف وقد علقت لها المحاليل ووصل ذراعها بجهاز قياس الضغط والنبض الذي ظهر على شاشة الجهاز سريعا يشير إلى توترها أو شدة نزفها وحازم يجلس إلى المكتب يكتب طلبا لبنك الدم - هل أخذت عينة لتحليل نسبة الهيموجلوبين؟ قام من مكانه وهو يمسك الطلب بيده - نعم يا دكتوره واتصلت بهم الان وقالوا أنه 7/15 - ماذا! اطلب وحدتين دم واجعل الطلب عاجلا دخلت إلى المريضة فشهقت وقد فوجئت بها - كم عمرك يا فتاة؟ - ستة عشر هزت رأسها في إنكار حازم - لا .. لا تبدين لي أكثر من تسع ابتسمت شفتاها اللتان اقتربتا من البياض وقالت - عمري ثلاثة عشر ولكن سننوني للزواج ستة عشر اختلط كلامها ببكائها بعد ذلك فلم تفهم منها شيئا - هل أمك بالخارج؟ - لا تناديها .. هي السبب. لقد قلت لها أنه ضخم ويخيفني ؛ولكنها قالت أن هذه ميزة في الرجل وليست عيبا - ضخم؟! نعم يا دكتوره . إنه بالخارج ألم ترينه؟ حاولت استرجاع صورة هؤلاء الذين مرت بهم، ولكنها لم تتذكر. وضعت يدها على نبض الفتاة وأكملت - إذن اهدئي واحكي لي أنت .. ماذا حدث ومتى بدأ الأمر؟ - منذ أربعة أيام .. تزوجت منذ أربعة أيام - ثم؟ - رفض أن تكون دخلتي "بلدي" .. قال أنه يريدني كما أنا ، وتعهد أن يأتيهم بالبشارة بنفسه سكتت لحظة والدموع تفيض من عينيها كأنما تستعيد تلك اللحظات - لقد صرخت .. كان الأمر مؤلما .. لقد قالت لي أمي أنه مؤلم ؛ لكن لا يمكن أن يكون كذلك... لم يأبه لصراخي بل كان يبتسم.. كان يبص لي بتلذذ كريه.. قلت له كفي وحاولت دفعه ؛ لكنه بيد واحدة كان يكتف جسدي كله تنهدت وقد رق صوتها وهي تقول - ثم ماذا يا ابنتي؟ - ثم تركني وهو يضحك ، وقام إلى أهلي خارج الغرفة ، وسمعت قهقهته وزغاريد امي ونساء الأسرة ، ودخلت أمي تبارك لي قالت "زوجك رجل يا بنت وأي رجل.. لم يأخذ الأمر منه أكثر من ربع الساعة" وانطلقت تزغرد فرحة وأنا أبكي ولا أفهم فيم فرحتها. ساعدتني لأقوم من الفراش .. قاطعتها عالية - انتظري .. ألا تزال الدماء تسيل حتى الان؟ - لا .. قليلة جدا - أكملي إذن - ساعدتني أمي لأقوم من الفراش كي تأخذ البشارة كما تسميها ، وإذا بها تزغرد بشدة وتنزع ملاءة السرير كلها وتلفها في الهواء وتهرول بها إلى الرجال. لقد فرحوا يا دكتوره .. لقد أطلقوا الأعيرة النارية تحية لدمي الذي أغرق الملاءة وصل حازم في تلك اللحظة حاملا كيسي الدم فأخدت عالية منه أحدهم واستبدلت أحد المحاليل المعلقة للفتاة به وأجرته سريعا سألته - هل فحصتها؟ - لا لم ترض.. كانت تتألم كثيرا - حسنا سأفحصها أنا فليست حالة للتعلم فكفاها ما مرت به لبست قفازاتها ودخلت لتفحصها - مااسمك يا ابنتي؟ - ناديه - سأفحصك يا ناديه ، وأعدك ألا أؤلمك قدر الإمكان - لقد اكتفيت من الألم يا دكتوره أرجوكِ .. بكت - أربعة أيام وأنا أتألم وهذا الرجل لا يعنيه ذلك أحست عالية بدمائها تغلي - أتعنين أن ذلك النزيف لم يمنعه عنك؟ - أبدا .. بل كان فقط يعيرني به. واليوم طلب أهلي ليروا حلا في إبنتهم .. قال أنه تزوج ليقطي وطره وليس ليتقزز من الدماء جاء صوت حازم من وراء الحاجز - حيوان فحصت عالية الطفلة الزوجة فهالها ما وجدت من تمزقات تلوثت والتهبت أيضا . خلعت قفازيها واتجهت إلى مكتبها واتصلت بالمسؤول الإداري - لدي حالة يجب إدخالها للمستشفى متزوجة وقاصر في نفس الوقت فمن يكون ولي أمرها الأب أم الزوج؟ - أهذا سؤال يا دكتوره! زوجها وليها ، فالولاية تنتقل إليه بعقد الزواج تأففت ووضعت سماعة الهاتف . كانت تتمنى ألا ترى ذلك ال .... قالت للممرضة - نادي زوج نادية من الخارج حاولت أن تبدو قويةوهادئة استعدادا لمواجهة من توقعته وحشا قميئا يدخل إليها لكن ما أن رأته لم تملك نفسها من أن تصيح بوجهه - أنت! .. أنت زوج تلك العصفورة بالداخل؟ رد في برود وقد بدا عليه أنه من هؤلاء الذين لن تتوقع منهم التهذيب أبدا - وماذا في ذلك؟ أنا أهوى العصافير - أتجد حقا أنها مناسبة لك؟ إنها تبدو كما لو لم تتعد التسع سنوات يا أخي - ولكنها امرأة بالغة وصالحة للزواج أحست بقشعريرة تجتاحها إثر تلك الكلمة . "صالحة للزواج" إنه ليس إنسانا زفرت يائسة وهي تقول - أنا مضطرة لإدخالها المستشفى .. تحتاج إلى مضادات حيوية وعلاج مكثف للجروح التي تلوثت ، ثم يلي ذلك دخولها للعمليات كي نخيط لها تلك التمزقات ونصلحها - ماذا؟ الإسم عريس وتقضي العروس شهر العسل بالمستشفى؟! .. أي فضائح هذه! بالطبع أرفض وقام من مكانه واندفع خارجا مناديا أبي نادية ودخل ممسكا به من مرفقه دافعا إياه أمامه كان رجلا ضئيلا كابنته ؛ جلس أمامها وهو يحاول أن يبدو حازما ولكن ارتعاشة صوته نفت ذلك تماما - ماذا هناك يا دكتوره؟ البنت عروس فكيف تبيت بالمستشفى؟ .. زوجها أولى بها - يا عم .. - عامر - يا عم عامر، إبنتك مصابة بتمزقات وتنزف . انظر.. إننا ننقل لها دم لتعويض ما نزفته. والمشكلة الأكبر أن هذه التمزقات التهبت وتلوثت جراء إهمالها أربعة أيام ، وقد يؤدي ذلك بها إلى الحمى ، وحرارتها مرتفعة بالفعل.. نظرت إليهما وبدأت تتكلم من بين اسنانها في تحفز - وستحتاج إلى عملية بعد ذلك لإصلاح هذه التمزقات وبصراحة الفتاة صغيرة وأثر التمزقات والالتهاب والعملية سيجعلونها أضيق .. ومع زوج مثلك قد تتعرض للتمزقات مرة أخرى او قد يستحيل زواجكما احمر وجه ذلك الثور الآدمي وخبط بكفه على المكتب وهو يقول بتحد - وأنا أصر أن آخذ زوجتي ولا أتركها لسفسطة الأطباء الذين يهوون التعقيد وإهانة الناس ، وسأحضر لها انا مضادا حيويا تأخذه بالبيت بوجه أكثر تحديا ردت عليه - إذن ستوقع إقرارا بالمسؤولية لكي تأخذها وسيتم إبلاغ الشرطة بالواقعة فهذا اجراء رسمي لابد للمستشفى أن تقوم به فوجئت برد فعله وقد قلب بيديه الدفاتر من على المكتب ملقيا بها في وجهها وهو يسبها ومن أنجبوها ناعتا إياها بقلة الحياء ثم يذهب إلى الفتاة فينزع المحاليل والدم من ذراعيها ويجرها إلى الخارج وسط ذهول الموجودين وسمعته يصيح - استغفر الله .. كيف تجعلونها تعمل هذه الدكتوره التي لا تعرف الله وتفرق بين المرء وزوجه لعنة الله على حكومة تجيء لنا بهذه الأشكال .. تباعد صوته فأفاقت من ذهولها على حازم يتصل بأمن المستشفى فضغطت زر الهاتف مغلقة الخط - ماذا تفعل يا عزيزي ... ضحكت .. - الأمن هنا هو عم درويش العسكري العجوز الأكثر ضآلة من قزم... ثم أننا لم نعرف أكثر من اسمها واسم أبيها فليس لدينا ما نبلغ عنه للأسف ******* كعادتها عادت من عملها هذا اليوم فدخلت إلى مطبخها لتسرع بإعداد الطعام. أخذت تقلب اللحم على النار حتي فوجئت بزوجها يضع يده على كتفها ويناديها - عالية انتفضت وهي تصرخ - كم مرة أقول لك لا تفزعني هكذا يا هشام وأنا أمام الأواني الساخنة قهقه ضاحكا - أيعقل أنك لم تشعري بوصولنا؟! خجلت من ثورتها وسارعت تعتذر - آسفة حقا .. ربما شردت قليلا - لا عليك .. لكن لا تشردي وأنت امام النار هل قرأتي أهرام اليوم؟ - ومتى أفعل؟! .. ربما لسنوات لم أقرأ جريدة - بها خبر في صفحة الحوادث ..يقولون أن الضحية كانت بمستشفاكِ تركت اللحم وغسلت يدها بسرعة وجففتها في ملابسها متعجلة وأخذت الجريدة من يده "وفاة طفلة في الثالثة عشر بعد زواجها بأسبوع" ثم تجيء التفاصيل .. اسمها نادية .. كانت تنزف فذهب بها زوجها واهلها إلى المستشفى .. أرسلتها الطبيبة المهملة إلى المنزل بلا علاج حتى أصابتها الحمى وماتت بتسمم الدم... ويستمر مسلسل إهمال الأطباء.." ألقت الجريدة في سلة المهملات .. وأخذت الشوكة تقلب اللحم على النار.

الحلقة الرابعة

كانت عالية في عيادتها حين دقت الساعة الواحدة في ذلك المذياع الذي أخذت تلك الممرضة البدينة تعبث به. لقد سادت إشاعة بحضور لجنة تفتيشية اليوم ولن ينصرفوا قبل الثانية.

بلغ بها الملل مبلغه وهي لا تجد ما تفعله وقد انصرفت آخر مريضاتها منذ أكثر من نصف الساعة ، وحتى الممرضة كفت أخيرا عن الكلام بعد أن قصت عليها ألف قصة عمن تعرفهم ومن لا ولن تعرفهم يوما..

- سأذهب لمعرفة أخبار الجمعية إن سمحتي يا دكتورة فإن دوري هو القادم

ابتسمت عالية ابتسامة بلا معنى دون أن ترد فقد كانت الأخرى بالفعل في طريقها للباب دون انتظار إذنها

- السلام عليكم

فزعت من شرودها وهي تهم بالوقوفظانة أنه ذلك التفتيش، فإذا بصديقتها وزميلتها بالدراسة تقف مبتسمة بالباب

- منى! غير معقول .. أين أنت منذ سنين؟ سمعت أنك خطبت لابن عمك..

ضحكت منى - مهلا يا عالية ما كل ذلك

- تعالي إذن ؛ اجلسي فلا شيء لدي كما ترين

قالت وهي تغلق الباب - ربما هو حسن حظي

عقدت عالية حاجبيها وقد أدركت أن الأمر ليس مصادفة أو زيارة ودية. جلست منى على الكرسي قبالتها وهي تمسك حقيبتها بكلتي يديها لا ترفع عينيها عنها ، ومرت لحظة من الصمت

- منى .. ما الأمر؟

ابتسمت ابتسامة باهتة وهي تلتفت إليها

- لقد تزوجت ابن عمي

- مبروك .. لكن أليس كل شيء على ما يرام؟

تنهدت - تزوجت منذ شهرين يا عالية .. لكن للآن لم.....

حاولت عالية أن تخمن

- أهو..؟

قاطعتها - لا لا .. هو لا عيب فيه ؛ المشكلة فيّ أنا

خفضت عالية صوتها وهي تتكلم بحنان

- ألهذا علاقة بعصام؟

- عصام؟!

- نعم .. ذلك الارتباط أيام الدراسة .. ألا زلت تحبينه؟

فوجئت عالية بضحكة منى الساخرة

- لقد شط خيالك بعيدا يا عالية.. لا ..الأمر لا علاقة له بذلك...سأحكي لك ..لكن عديني ألا تسيئي الظن بي ..لم تنتظر الوعد الذي طلبته وأكملت ..

-هل تذكرين بيت أمي ؟..هل تذكرين كيف كنت تكرهين سُلمه؟

تذكرته عالية بالطبع فقد كان كريهاً لا منور له ، حلزونيا جانباه جداران مصمتان كأنما هو نفق مظلم لا أثر للضوء فيه إلا ما يصله من الأدوار التي نادراً ما تكون مضاءة . كما أن الجميع كانوا يعتمدون على المصعدين فكان مهجورا غير نظيف.

أكملت منى - تعرفين أن أبي كان يعمل في بلاد الخليج منذ صغري وكان أخواي أصغر من أن يقضيا لأمي ما تحتاجه من أوراق ومصالح.. تنهدت - وكان لنا جار يقطن أسفل منا بطابقين

قاطعتها عالية - نعم أذكر أننا سلمنا عليه مرة ، كان اسمه "عمو عارف" على ما أذكر

أومأت منى برأسها وأكملت - لم تكن أمي تحتاج إلى شيء إلا ويقضيه لها بكل رحابة. أخواي أيضا كانا يحبانه ويودعانه كل أسرارهما. وزوجته "طنط سماح" كانت صديقة أمي المقربة وكثيرا ما كانت تصعد إليها فتعدان بعض الحلوى معا ثم ترسلاني بطبق منها "لعمو".

منذ كنت في السادسة وأنا أجده معي في كل موقف، فهو من يأتي إلى المدرسة إن حدثت لي أي مشكلة ، وهو من يبشرني بنجاحي ، ومن يعطني عيديتي في العيد .. أحسست أنه أبي الحقيقي.. أما أبي فكان ضيفا يأتي بالهدايا فنفرح بقدومه ، ثم يعيش أياما أخرى معنا لا نكاد نعرفه منشغلا بالزيارات والمصالح التي لا أول لها ولا آخر ؛ حتى نفيق على أنه يعد حقائبه ثانية للسفر.

كان يوم عيد ميلادي الثاني عشر ، وصعدت طنط سماح إلى أمي لتعدان الحلوى معا .. لكن "عمو" لم يصعد معهما فقد كان يعاني من نزلة برد وقد ارتفعت حرارته.

وكعادة أمي فقد دعت جاراتنا للاحتفال كأنه يخصها هي وليس أنا ، وانهمكت هي وطنط سماح معهن في حديث لا ينتهي.

نادتني طنط سماح - منى .. خذي هذا الطبق إلى عمك عارف ، فلا يصح أن ننساه هكذا وهو مريض. خذي المفتاح معك فربما لن يستطيع القيام ليفتح لك..

أخذت الطبق ونزلت به إليه ، حاولت فتح الباب بالمفتاح فلم يفتح. وضعت الطبق على الأرض وأخذت أحاول ثانية. أخيرا انحنيت لآخذ الطبق وأصعد فإذا بالباب ينفتح

- أهلا أهلا منى حبيبتي

- أهلا يا عمو .. هذا الطبق لك فاليوم عيد ميلادي

- أعرف طبعا يا حبيبتي .. اكملتي اثنى عشر عاما

ثم مد يده ليحيط كتفي ويدخلني

- اجلسي يا منى

جلست على الأريكة بجانبه ووضعت الطبق على المنضدة ، ثم لمست جبهته بيدي..

- لكنك لست محموما يا عمو كما تقول طنط

لم يرد على بل ربت على خدي وهو يقترب مقبلا رأسي..

- كل سنه وأنت طيبة يا حبيبة عمو .. هل تعرفين؟ أنا أحبك أكثر حتى من طنط سماح

ابتسمت سعيدة بكلماته فقد كان هو أبي الحقيقي كما قلت لك..

ضمني إلى صدره بشدة حتى أن الخوف داخلني لم أدر له سبب فدفعته بيدي وانا أضحك

- ماذا؟ هل ستسافر مع أبي وأوحشك؟

فضحك - لا .. لا يا جميلتي لن أسافر وأتركك أبدا

قالها وهو يربت هذه المرة على صدري.. و......

التفتت إلى عالية بأعين دامعة - بعدها كان يقابلني كثيرا وهو عائد من عمله وأنا عائدة من المدرسة ، فنصعد في المصعد وحين يحين نزوله يصر أن أسلم على طنط سماح فأخرج معه فقد تكون عند امي فيكلمها ويبلغهما أني معه أسليه حتى عودتها أو نجدها فأسلم عليها ونتكلم قليلا وقد تبلغني برسالة لأمي ثم استأذن فيصر أن يصعد معي بحجة انه يعرف اني أخاف من السلم المظلم..

يرتسم على وجهها ألما كبيرا وهي تكمل

- حين كنا نصل إلى شقتنا كانت امي تستقبله بابتسامة وترحيب يغلقا فمي تماما فأقبل كل ما يحدث ؛ فهو الأخ والثقة وخير جار وصاحب الجميل.. فكيف إذن يكون ما يفعله خطأ!

انتهت منى وهي تنظر إلى عالية التي عضت على شفتها وأشارت لها أن تصعد إلى سرير الكشف

- لا يا عالية.. لا أعتقد أبدا أنني وصلت إلى هذا الحد. لقد كان حريصا عليّ - دوما كان يقول ذلك- .. بل لقد ظننت أن حبه لي عظيما إلى درجة أن يحرص عليّ معذبا نفسه بكبت غرامه.

ابتسمت عالية ابتسامة صفراء مغتاظة من تعبيرصاحبتها

- أهي عقدة الذنب إذن ما يمنعك؟ فلن يكون الحل بيدي، فإن كنت سليمة جسديا فالباقي أن تسلم نفسك من تلك الذكرى

مطت شفتيها وهي تكمل - بصراحة يفرضها حق الصداقة يا منى .. أنا لا أصدق تلك البراءة التي تدعينها ، بل أجدك عشت قصة حب استمتعت بها حتى تتكلمين عن حبه العظيم وحرصه عليك. إنه فقط سنك وقتها هو ما يجعل خطيئتك مستصغرة إلى جوار

قاطعتها منى - إلى جوار خطيئة رجل ناضج مثله يخدع مشاعر طفلة

هزت رأسها نافية - بل ليس ذلك . إنها خطيئة أم لم تر ما في ابنتها ولم تر في حدود الله حدا للثقة التي تحملها لرجل غريب

لم ترد وان احمر وجهها فاستطردت عالية

- الآن لا أفهم المطلوب مني ولا كيف أساعدك!

- زوجي يا عالية قد مل .. هو من طلب مني الذهاب لطبيبة لأجد سببا لفزعي منه ؛ ولا أجد من أئتمنه على قصتي غيرك ، كما أنني لا أريد أن يلجأ لأمي وأبي إن يأس مني

استغرقت عالية لحظات تفكر ثم أشارت لها في حزم أن تصعد إلى سرير الكشف

******

كانت منى تنظر إلى عالية والقلق وجهها والرعب دخيلتها وقد خرس لسانها عن السؤال

ابتسمت عالية في سخرية لم تستطع منعها وهي تقول في نفسها " لست واثقة من نفسك تماما كما تحكين يا منى وهذا سبب خوفك وليس عقدة ذنب أو ضمير".

نطقت منى أخيرا - عالية .. لمَ هذه الابتسامة ال..

قاطعتها بسرعة - أبدا يا منى هي ابتسامة الاطمئنان ، فكما توقعتي .. ونظرت لها من وراء نظارتها بخبث " كان حريصا"

احمر وجهها وظهر عليها الغيظ ولكن سرعان ما وضعت منديلها على عينيها فلم تعرف عالية أهي تبكي حقا أم تضيف المشهد الأخير لتمثيليتها التي كرهتها بالفعل بكل أبطالها.

أخيرا قامت منى وهي تسلم على عالية وتهمس في أذنها

- رجاء أخير يا عالية .. أريدك أن تقسمي أن ما سمعته مني لن يعرفه أحد أبدا

ابتسمت عالية وهي ترد - لقد أقسمت على ذلك بالفعل يوم أن أصبحت طبيبة ..

****

- صباح الخير يا دكتوره

- أهلا مدام أمل

- لأجل عينيك أدخلت صديقتك التي أرسلتها منذ يومين لي بالسونار ولم تنتظر دورها.

- شكرا حبيبتي هذا عشمي بك ... لكن من تلك فلا أذكر أنني أرسلت أحد؟

- غريب .. لقد قالت أنها صديقتك وزميلة دراستك .. كان اسمها منى وكانت حامل في عشر أسابيع

- هاها .. هكذا سريعا ..لقد كانت عندي من ثلاثة أشهر فقط .. ما أسرع ما تفك العقد ..هاهاها.. ياللنساء!

******

ابتسمت عالية لابن اختها وهو يفتح لها الباب وانحنت تقبله

- أين ماما و أختك

أمي بالمطبخ وحبيبة أرسلتها أمي لعمو جابر لتعطه بعض الأوراق

- من عمو جابر هذا؟

- إنه جارنا بالأعلى

صرخت - ماذا؟

دخلت إلى اختها وهي تصيح

- كيف ترسلين فتاة في عمر ابنتك إلى بيت رجل غريب؟

- ماذا دهاكِ؟

- ماذا دهاني أنا؟!

- عالية !

- انتبهي أن ابنتك لم تعد صغيرة .. ألا ترين ذلك؟!

- لا تتكلمي هكذا عن رجل محترم ولا عن ابنتي أيضا .. أراهن أنك تسقطين حالات تخصصك الموبوء على حياتنا مجددا

نظرت إليها بغيظ وألقت حقيبتها على أقرب كرسي في غضب وخرجت إلى السلم تنادي الفتاة

الحلقة الخامسة

جلست الطبيبة الشابة أمام عالية لتسلمها الحالة التي جاءت بها

- فإذا كان كل شيء طبيعي فلم جئت بها هنا؟

- .........

تغتاظ عالية من عدم ردها ويعلو صوتها

- إذا لم تكن مثل هذه الحالة هي من تستقبلوها في وحدتكم الصحية ، فهل تستقبلون فقط حين تجيئكم وابنها جاهز على ذراعها؟!

احمر وجه الطبيبة وجزت على أسنانها ، وهي تحاول أن تحتفظ بهدوئها

- دكتوره .. أعرف أن لك بعض الحق في حدتك؛ لكن ..

زفرت وقد بدت عليها حيرة مؤلمة

- لست أدري هل يحق لي أن أحكي لك ذلك، أم أنه يجب أن يكون سرا مهنيا؟

- إنني الآن طبيبتها المعالجة ، فليس السر عليّ يا دكتوره.

- حسنا ..إن كان ذلك فلقد أرحتني

التفتت إلى الممرضة التي تكاد تنهي تسليم الأوراق لزميلتها ولاذت بالصمت تستجمع كلماتها للحظة

******

سيدة عجوز تلبس السواد ويظهر الوجوم على وجهها تصطحب تلك الشابة التي تضحك في تحدٍ مستفز وتدخلان إلى الوحدة الصحية.. حين تراهما الممرضة المولدة تسارع بالسؤال

- حالة ولادة؟

تومئ العجوز في صمت بينما تندفع الشابة قائلة:

- اقتليه .. جئت واحدة، وسأخرج من هنا واحدة أيضا ، وليس اثنين.

جزع الممرضة غلب نهمها للمال بالتأكيد فوصفت لهما أين يصعدا، ثم هرولت إلى الطبيبة

- انجديني يا دكتوره .. حالة الولادة..

- ما لها؟

- إنها تريد أن تقتل طفلها!

عقدت حاجبيها متعجبة

- ربما هي على خلاف مع زوجها مثلا!

- لست أدري.. تعالي إليها .. أنتِ الطبيبة هنا، وأنتِ المسئولة.

كادت تصرخ في وجهها " أي مصيبة تلقينها على رأسي أيتها الخبيثة؟ لو كانت ولادة طبيعية لما كدت أعرف بوجودها خشية منك على رزقك."

فتحت جيهان فمها لتطلب منها الاتصال بمدير الوحدة.. لكنها عادت فقالت

- ربما هي فقط حالة اكتئاب حمل، وليست جادة فيما تقول!

صعدت جيهان مع المولدة، وهي تقدم رجلا وتؤخر الثانية..

دخلت غرفة الولادة بالوحدة فوجدت شابة جميلة تعض على شفتها في ألم وهي جالسة على كرسي خشبي مسندة متأبطة ظهره دون أن تصدر أي صوت. حين رأتها الشابة ابتسمت ابتسامة صفراء لم تتفق مع ملامح الألم على وجهها.. انتظرت حتى ذهب الألم وقالت

- أنت إذن الطبيبة؟ .. صغيرة أنتِ.

ابتسمت لها جيهان وهي تقول - لا بأس .. ألن تقومي إلى سرير الكشف؟

فوجئت بها تقول بلهجة هجومية

- لا كشف ولا غيره.. كلمة واحدة.. المستشفى بجوار منزلي، لكنني أتيت هنا للسبب الذي أخبرت به هذه- مشيرة بذقنها إلى الممرضة-.

احمر وجه جيهان مجددا.. أحست أنها نادمة على اليوم الذي دخلت فيه كلية الطب، واليوم الذي تخرجت فيه، واليوم الذي كلفت فيه بالعمل في هذه الوحدة الصحية التي لا يزال أمامها عدة أشهر بها لتنهي تكليفها.

في هدوء اصطنعته حاولت أن تربت على كتفها وهي تسألها

- ما اسمك؟

نفضت كتفها مبعدة إياها وهي ترد

- وحيدة

هالها العنف الذي تقابلها به، نظرت إلى السيدة العجوز، وسألتها

- أنت أمها؟

ردت وحيدة قبلها - بل حماتي

علقت المرأة في صوت مخنوق

- أمها ماتت وأنا كأمها فأنا من ربيتها.

مطت وحيدة شفتها ثم خبطت بكفها على ظهر الكرسي

- شوفي يا دكتوره.. هذه من ربتني، وأنا زوجة ابنها - وأشارت إلى بطنها- كما أنها جدة هذا الطفل أيضا.

ضحكت جيهان ضحكة خافتة وهي تقول

- طبيعي! فبما أنك زوجة ابنها، فهي جدة الطفل.

بتحد اختلط بألم المخاض جزت على أسنانها وهي تقول

- لا.. الطفل ابن ابنها الثاني.

أحست جيهان أن الأرض تميد بها.. نظرت إلى الممرضة لتنجدها، فأسرعت تجذبها من يدها إلى المكتب وأجلستها، وانحنت عليها وهي تهمس

- يا دكتوره جئت بك لتنجديني لا لتفقدي وعيك.

والتفتت إلى وحيدة قائلة

- فليكن أي شيء .. دعينا نرى ان كنت في ولادة حقا أم لا داعي لكل هذا الكلام.

استندت وحيدة إلى ذراع الممرضة "حسنية" واتجهت إلى سرير الولادة وبدأت العجوز تتكلم

- ربيتها منذ كانت في العاشرة حين ماتت أمها -جارتي- وأبوها في حادث. كان ابني الكبير يريد السفر إلى الخليج ليجرب حظه.. أردت أن أربطه ببلده، فزوجتها له.. قلت له أنها هكذا ستظل معي، وترعاني في غيابه.. ظننت أن هذا سيجعله يعود..

وهي تصعد إلى السرير صاحت

- خمسة وعشرون يوما.. تزوجني خمسة وعشرين يوما!

وضعت العجوز قبضة ديها على عينها وهي تفركها بشدة وتبكي

- والله يا وحيدة أرسلت له أن يأتي.. مرات ومرات أرسلت له.

صاحت بها - لكن لم تقولي له .. لم ترض أن يطلقني.

كان حب الاستطلاع قد أخذ مأخذه من حسنية الممرضة، فسألت العجوز

- وابنك الآخر يعيش معكما؟

أخذت تميل برأسها يمينا ويسارا دون أن تنظر إليها للحظات قبل أن ترد

- أصغر منها بسنى.. فاعتقدت أنه لن يفكر فيها

وأفلت السؤال الثاني من لسانها الذي غلبه الفضول

- وكيف عرفت أن حملها منه؟

تطلق وحيدة ضحكة عالية

- هو من قال لها.. هو لا يخجل مني - صرخت- بل يريد أن يتزوجني.

نظرت حماتها إليها باسطة كفيها أمامها في تعبير من لا حيلة له

- يتزوج زوجة أخيه!

صرخت وقد أفلتت دموعها

- وأين هو أخوه هذا؟

قامت جيهان من كرسيها وقد أحست أنها لن تحتمل كلمة أخرى. أحست بجسدها كله يرتعش وصرخت فيهم جميعا

- كفى..

حسنية.. كيف هي؟

- لا يزال أمامها الكثير يا دكتوره ، خاصة أنها "بكرية".

- إذن استدعي سيارة الإسعاف حالا ، لنذهب بها إلى المستشفى. لن أتحمل مسئوليتها.

أخذت الحماة تلطم خديها وفخذيها وهي تنوح

- ياللفضائح .. ياللفضائح.

*****

أفاقت من شرودها على صوت دكتوره عالية

- دكتوره جيهان!

- ها .. نعم .. آسفة ..

حسنا! هذه المريضة تصر أن تقتل طفلها بمجرد ولادته وتطلب مني ذلك. لا أدري لماذا! وأنا مجرد طبيبة تكليف لا يمكنني تحمل مسئولية ذلك، فأتيت بها إلى المستشفى.

أنقطع تدفق كلماتها، وقامت من مكانها منادية حسنية

- هل انتهيت من تسليم أوراقك؟

- نعم

- إذن فهيا بنا

وانصرفت كأنها فارة من الفزع مجسما

دهشت عالية من تصرف الطبيبة الصغيرة حتى أنها تابعتها وهي تنصرف دون تعليق.

قامت إلى المريضة وبوجه صارم حدثتها

- اسمك وحيدة!.. فلتعلمي يا وحيدة أن مهمتنا هنا هي أن نجعلك تلدي بأمان. تهمنا سلامتك أولا، ثم سلامة طفلك. بعد أن تخرجي من هنا أنت مسئولة عن كليكما ولتفعلي ما تشائين.

اصفر وجه الشابة، ولم تستطع الرد. فهذه الطبيبة تبدو قوية، ولها خبرتها،/ وليست كتلك العظمة الطرية جيهان.

ابتسمت عالية، وعادت تقول لها في حنان

- حين تحملينه يا وحيدة ستغيرين كل أفكارك.. سيكون هذا القادم هو حياتك كلها.

هذا التحول المفاجئ للطبيبة جعل وحيدة تنهار باكية

- لا.. هكذا لن تستطيعين تحمل ما ينتظرك من مجهود كبير.

التفتت إلى الممرضة طالبة منها مهدئا مناسبا، وأنهت إجراءات دخولها.

*****

كانت ولادتها يسيرة كأن ألف قلب أم يدعون لها..

خرجت عالية إلى الحماة مبتسمة

- مبروك.. جاءتكم بولد جميل يشبهها كثيرا.. لكن أين أبيه؟

بوجوم ردت - في البيت

- عجبا! ولا يأتي لميلاد طفله الأول؟! أي زوج هذا!

ابتعدت ضامة الوليد إلى صدرها وهي تقبله وتبكي.. سمعتها عالية تقول وهي تبتعد

- زوجها مسافر منذ خمس سنين.

فغرت فاها، وكادت أن تناديها.. لكنها عادت فأقفلته وإحساس رهيب يجيش بصدرها

طافت بذهنا صور جيهان وهي محبطة فزعة .. وحيدة وهي تدعي التحدي.. الوليد وهو يطلق صرخة ميلاده

رفعت ناظريها لتتابع الجدة ..

ترى هل سترين طفلك يا وحيدة؟

الحلقة السادسة استيقظت عالية على رنين الهاتف الذي أفزع هشام ليقفز خارجا ليرد عليه بينما جلست في الفراش تنتظره. عاد وهو يشير لها بيده لتقوم للرد.. - لي! .. الآن؟! نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط، فوجدتها تشير إلى الخامسة. - يريدونك في المستوصف لأجل حالة لم تستطيع الداية توليدها قالها وهو يسحب الغطاء عليه اغتاظت وهزته - وهل توافق أن أنزل الآن؟ - أليس تخصصك هو ما يحكم بهذا؟! كم مرة قلت لك أن تغيري تخصصك، وتكتفي بالتحاليل.. رمقته بغيظ ولكن لم يكن ذلك وقت مناسب للنقاش. قامت لترد على الهاتف وهي تتمتم: - ألست أنت من تصر على أن تباشرني طبيبة وليس طبيب! أليس لتلك الطبيبة زوج وأسرة أيضا! أي تناقض هذا! أخذت سماعة الهاتف - السلام عليكم - آسف يا دكتوره أن أيقظتك - ماذا هناك يا عبد العليم؟ - أم عماد الداية جاءت بولادة متعسرة للمستوصف يا ذكي .. وهل لدى مستوصفك هذا استعداد لمثل تلك الحالات؟ أرسلها إلى المستشفى. - أعرف يا دكتوره.. فقط أرسلتها إليك، فهو باب رزق يغيظها استخدامه لهذه الكلمة - ماذا تعني؟ - قلت لها أنها تحتاج إلى إمكانيات عالية وطبيبة ماهرة وأنك ستستقبلينها كحالة خاصة تابعة للمستوصف، فيكون للطبيبة أجرها وتكسب هي توفير تكلفة المستشفى الخاص. فكرت لحظة ثم سألته في تردد - لكن لماذا يكون لي أجرٌ وهي ستكون بمستشفى حكومي؟ يا دكتوره .. لأنها حالتك، وستعطينها رعاية خاصة ليست كرعاية مرضى الحكومة.. تعالجينها بنفسك، لا تتركينها لأطباء الإمتياز يتدربون عليها، تعقيم الآلات، حقن غير مغشوشة..إلخ -أأنت متأكد مما تقول؟ - أمتأكدة أنت أنك لم تفعلي هذا من قبل، ولم تعرفي أن زملاءك يفعلونه؟ جزت على أسنانها، فهم يفعلون ذلك حقا - حسنا يا عبد العليم.. دعها تذهب فالله وحده يعلم ما بها. لكنني لن أكون هناك قبل الثامنة، فالمهم أن ينقذها أي طبيب هي وطفلها. وضعت السماعة، ودخلت إلى غرفتها. جلست على حافة الفراش تقلب الأمر في رأسها دون أن تصل إلى قرار - هشام - ها - هل توافق أن أعالج مريضة بالمستشفى، ورغم ذلك آخذ أجراً؟ - أليس ذلك عرف بين زملائك؟ العرف يجرى مجرى القانون. قالها واستدار معطيا لها ظهره، وسحب وسادتها فغطى بها رأسه. دقائق وكان شخيره يعلو.. فكرت " حسنا ربما تكون قد وصلت الآن، ووضعت طفلها بالفعل؛ لكنه ذلك الغبي عبد العليم هو من يثير ضجة بغير داع" ارتاحت لهذه الفكرة، واستلقت إلى جوار زوجها، وقد غاظها أخذه لوسادتها.. وسرعان ما ذهبت في النوم. قامت على جرس المنبه فأسرعت تغتسل وترتدي ملابسها، وتتجه إلى المستشفى. وصلت متأخرة بضع دقائق، فلحقت بزملائها في هدوء محاولة ألا تلفت نظر رئيس القسم وهو يناقشهم في أحد الحالات. - دكتوره عاليه! التفت الجميع إلى تلك العاملة التي تنادي من آخر الممر. - يريدونك في الإستقبال.. يقولون أن مريضة هناك لا تريد سواكِ. احمر وجه عالية "خرب الله بيتك يا عبد العليم" نظر لها رئيس القسم من وراء نظارته، وأشار لها بيده أن تفضلي، ثم استدار مكملا ما كان يناقشه. مشت تتعثر في خطواتها وهي تشعر أن الجميع يعلمون بأمرها، حتى وصلت إلى الإستقبال. وجدت زميلتها هناك تسرع إليها - نبض الجنين يبطئ، وهي تصر بغباء ألا تدخل إلا حين تجدك أمامها صاحت المريضة في ضعف – أنت دكتوره عالية؟ دون أن ترد بكلمة أسرعت تجذب جهاز سماع نبض الجنين، وتضعه على بطنها - اتصلي بالعمليات.. ستذهب مباشرة من هنا. والتفتت إلى الممرضة - أعدِّيها للقيصرية فورا ***** دخلت إلى حجرة الأطباء مجهدة.. غاصت في أحد الكراسي الجلدية وقد أسندت رأسها وأغمضت عينيها " ما هذه النوبتجية التي لا تنتهي؟! كأن كل نساء المنطقة اخترن هذا اليوم لتلدن! " طرق الباب فقالت دون أن تفتح عينيها - ادخل - السلام عليكم يا دكتوره.. أنا زوج أحلام بأعين نصف مغمضة ووعي تكاد تفقده سألت الرجل - من أحلام؟ - أحلام! .. المريضة التي أرسلها لك عبد العليم! رفعت رأسها فاتحة عينيها وهي تحاول الابتسام مدارية إحراجها، فهي من يفترض أنها طبيبتها الخاصة -آه معذرة فإنه يوم شاق. - كان الله في العون يا دكتوره.. هل يمكنني الجلوس؟ أشارت بيدها وهي تقول - بالتأكيد طبعا.. تفضل جلس وهو يعبث في خاتم زواجه الفضي ناظرا إلى الأرض - خيرا؟ تغير وجهه وهو يحاول استجماع كلماته - لقد قرأت ملف أحلام.. اندهشت عالية – إنها بحالة ممتازة، ما الذي جعلك تقرؤه؟! - أبدا.. كان حب استطلاع، لكنه قادني إلى مصيبة. اعتدلت في كرسيها منتبهة - أي مصيبة؟ - كتبتم في ملاحظاتكم أن عمر المولود 40 أسبوعا.. قاطعته – لسنا من كتب؛ بل طبيب الأطفال حديثي الولادة الذي فحصه. - أرجوك يا دكتوره أن تتأكدوا من ذلك. - لماذا؟ الطفل بصحة جيدة، ومكتمل النمو، و.. - إنني متزوج منذ ثمانية وثلاثين أسبوعا. اندفع الدم إلى رأسها.. "لا يأتني من ورائك خيرا أبدا يا عبد العليم" - لا تندفع في حكمك أستاذي الفاضل.. سأرسل إلى قسم حديثي الولادة لاستشارة طبيب أكبر ***** في صباح اليوم التالي كان أول ما فعلته عالية أن صحبت طفل أحلام إلى الاستشارة. فحصه الإستشاري المتواجد فأقر بصحة تقدير الطبيب الأول.. اضطرت عالية أن تحكي له المشكلة. - معذرة يا دكتوره عالية، لكن ضميري المهني لا يسمح أن أقول غير ما أجد.. ثم أنك لابد أن تفكري أيضا أن الزوج من حقه التأكد من بنوة الطفل، فإن كنتِ تخافين أن يظلم زوجته، فعليك أن تخافي أيضا أن تظلمه هي. واستدعوا رئيس القسم ليحسم الأمر بقرار أخير. لكنه أصر على كون الطفل مكتمل وعمره أربعين أسبوعا. عادت عالية محبطة إلى قسمها.. لم تظن سوء أبدا بأحلام، ولم تبد لها من ذلك النوع من النساء.. هل خانتها خبرتها وبصيرتها؟! قابلها زوج أحلام يسألها متلهفا، فلم تملك إلا أن تريه التقرير. فتح عيناه عن آخرهما وابتسامة النصر مرتسمة على وجهه - ثلاثة يؤكدون نفس الشيء.. كان لدي كل الحق. بطرفي إصبعيه ناولها الورقة واستدار منصرفاً لحقت بزملائها وهم يمرون على مرضى العمليات مع الاستشاريين. حين وصلوا إلى أحلام بدأت طبيبة الامتياز تسرد الحالة والسبب في القيصرية حتى وصلت إلى ما كان من زوجها فتكلمت بالانجليزية كي لا تفهم المريضة ما يقال. التفت رئيس القسم إلى عالية - هل رآه استشاري الأطفال - ورئيس القسم أيضا وأصروا أنه أربعون أسبوعا. هز كتفه في لامبالاة - شيء نراه كل يوم برقت حقيقة في ذهن عالية - دكتور قد فات علينا أمر.. نظر إليها من تحت نظارته وهو يبتسم في خبث - أنها مريضتك الخاصة؟ احمر وجهها في حنق وردت في انفعال - لا يا سيدي .. لكن كون الطفل عمره أربعون أسبوعا لا ينفي أنه ابن هذا الزواج.. إنها تكون قد تزوجت في وقت تبويضها تماما، بعد حيضها بأسبوعين.. وطبيب الأطفال يحسب الأسابيع الأربعين من تاريخ حيضها السابق لزواجها. ظهرت الجدية على وجهه - جيد يا عالية.. أحسنتِ .. كيف فات علينا جميعا أمر بديهي كهذا. علق اختصاصي أخر - ببساطة لاننا لم نفكر في الأمر، كذلك ضغط العمل لأربعة وعشرين ساعة متواصلة.. نحمد لله أن انتبهنا للخطأ قبل أن تكبر المشكلة. وجه رئيس القسم سؤاله لأحلام - كيف حالك؟ ضحكت – الحمد لله.. والغلام جميل. ابتسم – وزوجك؟ ازداد ضحكها، وقالت – طلقني وجم الجميع وهي تضحك أكثر - ألا تصدقون؟ ..وأخرجت من الدرج بجوار سريرها ورقة - ها هي ورقة الطلاق أرسلها لي صباح اليوم. بضيق سألها أحدهم - وماذا يضحكك إذن؟ - إنه غبي، ويقول ان الطفل ليس ابنه حسنا.. هو لا يستحق نعمة ربنا، وأنا أيضا لا أحبه.. جاءت من عند الله لم يجد أحد ما يقوله لبرهة، حتى تحرك رئيس القسم إلى الحالة التالية، فتبعوه عدا عالية التي انطلقت أفكارها كالرصاص ترى هل تحمل هي ذنب أحلام، أم طبيب الأطفال؟ هل حدث هذا لأنها أرادت مالا ليس من حقها؟ إنها مرّتها الأولى! لماذا لا تحدث هذه المواقف لزملائها أم أنهم لا يهتمون ولا يؤثر فيهم؟ هل.. هل.. هل.. هتفت في داخلها " خرّب الله بيتك يا عبد العليم"

الحلقة السابعة

كانتا تفطران في استراحة لبضع دقائق حتى ينتهي جاهز التعقيم من إعادة تعقيم الآلات. أخذت عالية تضع البسكوت في الشاي؛ بينما انطلقت عفاف (الممرضة) تلتهم شطائر الفول.

- دكتوره!

- ها؟

- كنت أود أن أستشيرك في مشكلة.

- قولي يا عفاف.

- إنها ابنة خالتي ، وهي على وشك الزواج.

صمتت قليلا تحاول أن تقرأ وجهها، فوجدتها لم ترد، فأكملت:

- إنها تعمل في محل خياط، وهو يهددها أن يفضحها إن لم تعوضه عن تركها العمل بعد أن تعب في تدريبها.

تنهدت عالية في ضيق، وقد اشتمت رائحة أحد تلك الحكايات التي تتكرر عليها وتكرهها، وقالت:

- حسنا يا عفاف.. ربما لو كنت في تخصص آخر لقلت لك "فليضرب رأسه بالحائط"؛ لكن ولأني رأيت ما رأيت في تخصصي هذا، فإنني أسألك: وما الذي يمكنه أن يفضحها به، ويجعلها تخاف تهديده؟

احمر وجه عفاف – حياءً على ما ظنت عالية – فالفتاة لا تزال صغيرة عذراء.

- هل تعرفين كيف يكون محل الخياط يا دكتوره؟... يوجد له سندرة علوية يقوم فيها بقص القماش، وتقوم هي بحياكته، وتشطيبه.

تخيلت عالية المكان.. منعزلا، صامتا.. وتخيلت أن تعمل فيه فتاة تحت إمرة رجل!

- فهمت يا عفاف.. إذن فقد أعطته ما يهددها به.

انطلقت مدافعة:

- كانت مغلوبة على أمرها يا دكتوره.

نظرت عالية إليها بحنان

- يا ابنتي.. ما الذي يجعلها تقبل العمل مع من يريد ما هو أبعد من العمل؟

أنت تدافعين عنها، لأنك تحبينها، وهذا طبيعي، فهي ابنة خالتك، وفي مثل سنك، وبالتأكيد قريبة منك.

هزت رأسها نافية

- لا يا دكتوره.. فقط اسمعي للنهاية..

زوج خالتي يعمل مناديا للميكروباص، يعود كل ليلة فاقد لعقله من شم الكلة، وتدخين الحشيش.

إنهم يعيشون في غرفة واحدة.. ينامون جميعهم متجاورين.

وهو يعود قرب الفجر فيجد الظلام في الحجرة، وفي عقله أيضا، فمرة يضاجع امها، ومرة يقبل عليها هي.

إنها لا تعلم إن كان يدري بما يفعل أم يكون مغيبا من أثر ذلك الداء الذي أدمنه.

رددت عالية في ذهول:

- أبوها!.. أبوها!

أكملت عفاف كأنها لم تسمعها:

- إنها راسبة بالإعدادية، فأنى لها بعمل آخر؟!.. لقد رأته رجلا كبيرا أشيبا فاطمأنت له، وهو من علمها صنعتها.. ثم أنه كان قضاء أهون من قضاء.

- أي قضاء أهون يا عفاف؟ أن ترتكب الزنا وتقولين أهون؟

- أليس أهون بالفعل من ارتكابه مع أبيها؟!

صاحت بها

- لا.. ليس أهون يا عفاف.. أن ترتكبه برضاها أفظع ألف مرة مما قسرت عليه.

نظرت عفاف إليها بغل مكتوم:

- أنت تتكلمين بقلب بارد مطمئن إلى معاشه.. لا تعرفين مثل تلك الحياة التي يعيشونها.

هزت رأسها رافضة:

- أسوأ شيء اتخاذ الفقر ذريعة للموبقات.

إن عملي هنا، وفي المستوصف مع هؤلاء المطحونين.. أعتقد أني أحس بهم جيدا.

هزت رأسها هي الأخرى نافية:

- لا يا دكتوره.. ليس هناك أحد يحس بأحد ويعرف بما هو فيه. هل كنتي تحسين بألم فقد الأم حين تحضرين عزاء؟.. أهو نفس الحال بعد أن ماتت أمك العام الماضي؟

غلبتها عفاف فلم تجد جوابا..

- ربما أنك في هذه الجزئية على حق.

في لهفة قالت

- إذن أتعذرينها يا دكتوره؟

قبل أن ترد عالية أكملت:

- صدقيني إنها غلبت على أمرها.. لقد هربت من جحيم البيت إلى جحيم أهون بعض الشيء.. كان يختلي بها في تلك السندرة أكثر من عشر ساعات كل يوم بحكم العمل، فكيف لا يكون ثالثهما الشيطان؟!.. لكن في الوقت نفسه، كان ما تكسب من مال يعطيها قوة وحصانة في البيت، فلم يعد أحد يجترئ على مسها وهي تنفق على البيت.

رفعت حاجبيها حائرة:

- لكن.. ألم تكن هناك طريق آخر؟.. الزواج مثلا؟

ضحكت عفاف هازئة:

- أي زواج يا دكتوه؟!.. الشباب الآن يريدون من لها مال تجهز به نفسها، و دخل تنفق منه وتساعده!

- لا.. خطأ ما تقولينن.. فها هي وجدت زيجة الآن.

اقتربت من عالية برأسها، وهي تقول بلهجة غريبة أحستها عالية كنوع من التحدي:

- إنه خليجي يا دكتوره.

اسقط في يد عالية، وبذهول سألت:

- ومن أين أتت به؟

اعتدلت عفاف في كرسيها، وعقدت يديها وهي تقول:

- عن طريق الخياط.. ليست أول من يزوجها ممن عملن معه.

بتقزز سألت:

- وكانت تعرف ذلك قبل أن تعمل لديه؟

خرس لسان عفاف تماما، فأكملت عالية:

- إذن هو مقاول، وهي اختارت أن تدفع ثمن زيجة تنتشلها من الفقر.

لحظة صمت مرت ثقيلة على كليهما قبل أن تسترسل عالية بابتسامة صفراء:

- اطمئنوا إذن يا عفاف.. فكل ما يفعل هو أنه يطلب باقي حقه في الصفقة.. مجرد بعض المال ولن ينطق بشيء، فهو إن فضحها فسيخسر مستقبل تجارته.

تغيرت لهجة التحدي في صوت عفاف إلى نوع من الاستكانة:

- بصراحة هذا بالضبط ما يريده. المبلغ كبير؛ لكنه يقول أنه سيأخذ الشبكة بدلا منه، فزوجها قادر على تعويضها عنها وأكثر

مطت عالية شفتها، وقالت:

- ففيم تريدين مشورتي إذن؟

ابتسمت – وعجبا – دون حياء

- أريد استشارتك في عملية تحتاجها قبل الزواج..

******

جلست ترتشف الشاي صامتة، حتى فوجئت به يهز كتفها

- عالية

- ها.. نعم؟

- أين ذهبتي؟ أكلمك، وأنت سارحة بأفكارك بعيدا!

نظرت إليه لحظة، ثم قالت:

- هشام.. ألا زلت تريد أن أغير تخصصي؟

عقد حاجبيه وأمال رأسه وهو يحدق فيها بلا إجابة

هزت كتفيها وقالت:

- أبدا.. أفكر جديا في الأمر.

الحلقة الثامنة

حين رأتها تدخل إليها بالاستقبال، وتلك ال"شاويش" الأنثى تمسك بذراعها والضابط وراءهما؛ لم تصدق الأمر..

تذكرت حين جاءتها تبكي..

- أرجوكِ يا دكتوره، إنها حياتي أو موتي؛ لا خيار ثالث.

وكعادتها في الحالات المماثلة قالت:

- آسفة.. أنت من أخطأتِ، وأنتِ من تتحملين مسؤولية خطئك.

- لقد قرأت أن الإجهاض لضرورة لا حرمة فيه!

- سيدتي!.. "ضرورة" معناها ضرورة.. صحة الأم مثلا؛ وليس مداراة الخطيئة.

- تقولين صحة الأم، فما بالك بحياتها؟.. صدقيني ربما أُقتل..

لكن لم تجد من عالية سوى وجه صارم وصمت أبلغ من المزيد من الكلام.

قرابة الشهرين مرا، ثم عادت إليها..

لكن ما هذا؟ عجبا! كل ما كانت فيه من ملابس ضيقة، وزينة صارخة على وجهها، وصبغة نارية تلون بها شعرها؛ قد اختفى وراء نقاب أسود، لا يُرى منه سوى عينيها.

تذكرتها عالية على الفور وابتسمت لها صائحة في ترحيب:

- أهي التوبة إذن؟.. هل تزوجتي؟

كشفت نقابها، وهي تجلس أمامها، وترد في برود:

- لا.. بل فقط أخفي أمري..

تقززت عالية من صراحتها الفجة وسألتها ثانية:

- ألم تتزوجي؟

باستهتار هزت كتفيها، وهي تقول:

- بالطبع لا.. سبق وقلت لك المرة الماضية أنه متزوج.

والآن أنت الوحيدة التي تعرفين بأمري فجئت لأتابع الحمل معك.

بكل الذهول سألتها:

- وماذا ستفعلين إذا حين تلدين؟

وكأنها قالب من حديد بارد أجابتها:

- أبدا.. سأنتظر أن ألده، وأتخلص منه؛ طالما لم يمكنني أن أجهضه من رحمي.

باستنكار وأسى ردت عالية:

لا يا نهلة، وقت تحملينه بين يديكِ؛ لن تستهيني به هكذا. بل ربما قبل ذلك أيضا، حين تشعرين بحركته داخل أحشائك.

ابتسمت نهلة أقبح ابتسامة رأتها عالية في حياتها، وقالت:

- نفسي نفسي

كرهتها عالية وهي تقول هذه الكلمات فلم تملك نفسها أن تقول لها:

- يوم القيامة ستقولينها أيضا يا نهلة.

- أتعرفينها يا دكتوره؟

أفاقت على صوت الضابط يسألها، ويدقق في وجهها، فهمت بالرد. لكنها تذكرت سريعا قسم المهنة، فهزت رأسها أن لا، وآثرت الصمت.

- أمتأكدة؟!

التفتت إلية متصنعة البرود:

- أتظن انني أتذكر كل مريضاتي، وأنا أرى ما يفوق الخمسين وجها كل يوم!

رد بغيظ من لا يصدقها، ولا يستطيع تكذيبها:

- ها هو التحويل الطبي لتوقيع الكشف على المتهمة.

تناولت تلك الورقة الرسمية في يدها وهي تحس أنها أثقل من جبل من الرصاص. فكل كلمة ستكتبها بها هي شهادة مسؤولة عنها.

- استأذنك أن تنتظر خارجا.

- ماذا! إنها تحت طائلة القانون، متهمة في قضية قتل عمد، وأنا من يحقق في هذه القضية.

بكل السماجة التي استطاعت تقمصها ردت عليه:

- معذرة! هي أمرأة ستكشف كشف نساء. هل أنت زوجها كي تحضر الكشف؟!

لك عندي تقرير طبي بما أجده. والمريضة لن تهرب فليس للحجرة مخرج سوى هذا الباب كما ترى.

نظر إليها وقد ضاقت عينيه متسائلا في نفسه عما تخفيه تلك الطبيبة.. لقد قال وجهها الكثير عند دخولهم عليها، وهو متأكد أنها تعرف هذه المتهمة من قبل.

طال صمته ووقوفه محدقا فيها، فأشارت له بيدها ناحية الباب..

كل ما حاولت إخفاءه أمام الضابط تبدى على وجهها وهي تلتفت إلى نهلة وتسألها؟

- ماذا فعلتي يا مجنونة؟ أقتلتِهِ لأنه لم يتزوجك؟ لقد كنتِ تعرفين ذلك منذ البداية!

ابتسمت ابتسامة باهتة وهي ترد في صوت يملؤه البكاء:

- ليس هو من قتلت يا دكتوره. انه ابني.

ابتلعت ريقها، وهي تحاول حبس دمعاتها التي لم تطعها، وهي تقول:

- لقد كان جميلا.. جميلا جدا يا دكتوره.

أخرس الذهول والألم عالية لثوان، قبل أن تسألها بصوت خفيض:

- كيف فعلتها يا نهلة؟.. كيف؟

- حين بدأت بطني تتكور، ذهبت للإقامة مع جارة بشارعنا، عمياء عجوز، بحجة أنني سأعتني بها. اتخذت من نقابي إطارا جيدا لرغباتي الخيّرة..

كنت لا أخلع نقابي عندها أبدا؛ فلم يلحظ أحد ممن يزورونها شيئا.

أطلقت آهة أليمة، ودموعها تتلاحق على خديها بلا صوت ثم أكملت:

- حين أحسست بالألم، دخلت إلى الحمام. كانت العجوز نائمة لحسن حظي.

ارتفع صوتها وقد امتزجت الحروف بنهنهاتها:

- كتمت صوتي.. لم أصرخ صرخة واحدة.. حتى وجدته بالأرض أمامي، وخلاصه يلحق به.

ليتني لم أنظر إليه.. ليتني لم أر وجهه.. قاومت حبه، وحين صرخ باكيا، غلبني الخوف من أن تسمعه السيدة، ففتحت الشباك ورميته.. سمعت صوت ارتطامه.. إنه حتى لم يصرخ.

انهارت تنوح، وعالية في ذهول لا تستطيع النطق بكلمة مواساة، ولا لوم. لقد فاقت المأساة تخيلها.

عادت نهلة تكمل:

- مر يومان، ولم يشعر أحد بشيء؛ حتى تعفن جسده، وانطلقت رائحته.

قالت عالية:

- وبالطبع أبلغ الجيران الشرطة.

أومأت برأسها، وأكملت:

- كنت أتوقع أن يعتقدوا ان أحدا من خارج المكان قد تخلص منه في منور البيت؛ لا أن يشكوا في قاطنيه. لكن لم يسر الأمر كما توقعت؛ فقد ارتفعت حرارتي، وأصابتني الحمى.

حين طرق الضابط الباب لأخذ أقوالنا كما يفعل مع السكان كلهم؛ كنت بالفراش لا أستطيع القيام، ففتحت له العجوز. بالطبع أزعجه ان تفتح عمياء الباب بنفسها فسألها إن كان هناك أحد يخدمها ويفتح الباب بدلا منها. وببساطة لم تكن تدري عواقبها أخبرته أني موجودة؛ ولكني محمومة منذ الأمس.

- فهمت.. شك بك واتاكِ بالطبيب الشرعي.

هزت رأسها أن نعم، وهي تقول:

- افعلي الصواب يا دكتوره.. إن وجهه لا يفارقني..

اختنق صوتها – إنني استحق الإعدام.

****

أنهت عالية الكشف على نهلة وكتبت تقريرها.

دخل الضابط، وقدمت التقرير إليه، فمر بعينيه على محتواه سريعا، وابتسم رافعا ناظريه لها

- أشكرك يا دكتوره

لم ترد للحظة، ثم قالت:

- عندي سؤال يا " حضرة الضابط "..

- تفضلي!

- هل ستُساءل وحدها؟

- ماذا تقصدين؟

- ماذا عن أب الطفل؟

فاجأه السؤال لوهلة، ثم مط شفتيه وقال:

- أكرر شكري على تعاونك.. لقد خدمتِ القضية كثيرا..

واستدار منصرفاً

تابعته بنظرة يائسة ووراءه تلك الشاويش تجر نهلة جراً..

حدثت نفسها

" أظن أنني سأرضيك قريبا جدا يا هشام "

الحلقة التاسعة والأخيرة

دخلت عالية إلى عيادتها ووضعت نفسها في الكرسي، وهي تنظر إلى الباب المفتوح، والنساء تنتظرن خارجه ناظرات إليها في ضجر.

زفرت في ملل، والتفتت إلى الممرضة التي لا تزال تعد أدوات الكشف، ونادتها:

- رجاء.. أغلقي الباب حتى تنتهي من إعداد أشيائك إذا سمحتِ.

بدون رد دفعت الباب بقدمها، لتصفقه أمام أوجه النسوة محدثا جلبة إغلاقه، وجلبة أخرى من أصواتهن يعترضن على أسلوبها.

نظرت إليها عالية في غيظ، وقد ضايقها ذلك التصرف، الذي سيجر عليها مشاكسات هؤلاء النسوة طوال اليوم. لكنها لم تنطق باعتراضها، ففي رأسها فكرة تلح عليها، وتجعلها لا تريد الاستجابة لاستفزازات أحد.

سرحت مع أفكارها تستعيد ذكريات كثيرة مرت بها في هذه الحجرة. انتقلت بخيالها إلى المستوصف كذلك.. الكثير من الوجوه، والأصوات، والكلمات، والحكايات تتواتر في ذهنها بلا انقطاع.

قاطعها صوت رجاء:

- الآلات جاهزة يا دكتوره.

التفتت إليها، وأومأت برأسها بلا معنى، ففتحت رجاء الباب، وأخذت تصيح بالنساء ليصطففن في ترتيب، ويكففن عن الضجيج.

أدخلت مريضة تلو الأخرى، وعالية تقوم بوظيفتها في روتين يشعرها بملل تحمد الله عليه، ولا تتمنى انكساره.

- هذه آخر مريضة قبل أن أعيد تعقيم الآلات.

- أدخليها إذن.

أدخلت إحداهن، وصاحت بالأخريات أن تجلسن حتى إعادة التعقيم.

جلست السيدة أمامها، وهي تتلعثم ولا تستطيع أن تتم عبارة مفهومة.

نظرت إليها عالية مدققة، وقد أحست أن متعة الملل تكاد تنكسر، وٍسألتها:

- ما الأمر بالتحديد يا..

تناولت من يدها تلك ورقة الكشف، فألقت نظرة عليها، واكملت:

- بدرية؟!

بصوت متردد قالت:

- كما قلت لك يا دكتوره.

قاطعتها: - أنت لم تقولي أي شيء مفهوم. ما هي شكواكِ؟ وبكلام واضح أفهمه.

نظرت بدرية إلى الممرضة رجاء قائلة في استعطاف:

- هل يمكنك أن تتركيني مع الدكتوره قليلا يا أختي؟

ما أن سمعتها رجاء؛ حتى انفتح فمها مطلقا سيلا من الكلمات عن وجوب تواجدها، وطبيعة مهنتها، واهمية دورها في هذه العيادة؛ حتى أسكتتها عالية قائلة:

- رجاء.. يكفي هذا. هي آخر مريضة قبل التعقيم.. إذن يمكنك الذهاب للإفطار مع زميلاتك؛ فأنا لن أفطر اليوم.

كأن دلوا من الثلج قد كُب على رأسها، فحاولت الرد، ثم تراجعت، وقد احمر وجهها، وأذنيها غيظا، وانفعالا، ثم اندفعت فاتحة الباب بعنف حتى ارتطم بالحائط، تاركة إياه مفتوحا وراءها..

تابعتها عالية في صمت، وقد قلبت شفتيها، وقامت فأغلقت الباب، والتفتت إلى بدرية..

- ها.. ما الأمر يا بدرية؟

دون ان ترفع عينيها إليها قالت:

- أريد أن أحمل بأي ثمن يا دكتوره.

- بأي ثمن! هل أجريت أي فحوصات من قبل؟

- نعم..

- وهل هناك ما يمنعك عن الحمل؟

- لا.. المانع لدى زوجي.

ومدت يدها إلى صدرها، فأخرجت كيس النقود، ومنه أخرجت ورقة مطوية، ناولتها لها.

ألقت عالية نظرة عليها، كانت نتيجة تحليل الزوج. رفعت حاجبيها، وهزت رأسها قائلة:

- من الصعب جدا أن يحدث الحمل يا بدرية. بالتأكيد أنت تعرفين ذلك!

- أعرف.. لكنه ضروري.

نظرت إليها، وقد أدركت أن وراء الأمر أموراً..

- كم عمر زوجك؟

- إنه مسن.. يكبرني بما يزيد عن أربعين عاما.

نظرت عالية في ورقة الكشف مجددا

- وأنت عمرك واحد وثلاثون.. تخطى السبعين يا بدرية؛ وتريدين أطفالا!

- بل طفل واحد ذكر.

ضاقت عيناها وهي تقول:

- مسألة ميراث إذن؟!

أومأت بدرية برأسها..

- في سنه هذه، ومع هذا التحليل، يمكنني أن أقول أن هذا مستحيل تماما.

تحول وجه المرأة إلى التأسُّد وهي تقول:

- لا.. ليس هناك مستحيل.. اثني عشر سنة كانوا زهرة شبابي قضيتهم اخدم ذلك العجوز، وأمرضه. والآن هو يقترب من الموت، وإخوته الذين لم يزوروه طوال هذه الأعوام سوى مرتين أو ثلاثة هم من يرثونه!

دقت المكتب بيدها صائحة:

- لا.. ليس هذا عدل.

أشارت عالية بيديها ان اهدئي

- شششش.. ستفضحين نفسك، فالنساء بالباب.

تمالكت نفسها، وعادت تتكلم بصوت مخنوق:

- لقد ذهبت إلى أستاذ كبير يعمل في مجال أطفال الأنابيب، وقال لي أن حملي ممكن لأن لديه متطوعين.

احمر وجه عالية، وهي تقول في عصبية:

- هل تفهمين ما يعنيه هذا ال "أستاذ"؟.. سيدخل في رحمك جنينا حراما من رجل ليس زوجك. هل تدركين ذلك؟

في عناد قالت:

نعم أدرك.. لكن ذلك الرجل لن يمسني.. لن أكون خاطئة.

ابتسمت في إحساس هو خليط من الشفقة والتقزز..

- يا بدرية.. أتخلطين النسب، وتأخذين ما ليس حقك، وتحملين طفلا حراما، ثم تقولين لست بخاطئة!

احمرت عيناها حنقا، وهي تقول:

- بل الظلم والخطيئة أن أحمل على كتفي كل بلائه، ثم يرثه من لا يكلفون أنفسهم عناء زيارته.. لا يا دكتوره.. إرثه هو ثمن شبابي وتعبي.

أخذت نفسا عميقا، ثم نظرت إلى عينيها مباشرة في تحدٍ:

دكتوره.. أنا متخذة قراري بالفعل.. كل ما في الأمر أن التكلفة اكبر من مقدرتي، فالمال ليس في يدي بعد. كما إنني متعجلة لأنه يشارف الموت. هو سؤال واحد فقط.. هل هذه الإمكانية متوفرة هنا؟

باشمئزاز أجابتها:

- بالطبع لا.. أتعتقدين أن مستشفى حكومي سيسمح بهذه المهزلة؟!

ضحكت بدرية هازئة وقالت:

- كل مكان به كل شيء يا دكتوره.

في صرامة شديدة أشارها عالية لها أن تخرج. نظرت إليها بغل وهي تقول:

- شريفة أنتِ يا دكتوره!!.. حسنا.. سنرى أينا على حق. ولكن عليك ان تتذكري أني جئتك يوما طالبة معونتك؛ كي تحميني من الفتنة، والزنا، وانتِ من تتحملين ذنبي إن فعلت.

صرخت فيها عالية:

- اخرجي من هنا.. هيا اخرجي.

فتحت بدرية الباب، واندفعت كالطلقة؛ حتى انها اصطدمت برجاء التي جاءت تهرول على صوت عالية.

قبل أن تسألها عما حدث، كانت عالية قد جذبت حقيبتها، واندفعت متجهة إلى مكتب المدير. توقفت لدى السكرتيرة، واخذت ورقة وقلما، وكتبت:

السيد مدير مستشفى .....

رجاء قبول قيامي بإجازة بدون راتب للدراسة، حيث سأقوم بالتسجيل لدراسة التحاليل المعملية؛ على ان أقوم بأجازة اعتيادية من الآن، وحتى إتمام إجراءات التسجيل وإجازة الدراسة.

تركت الورقة للسكرتيرة، وخرجت متجهة إلى السلم.

نادتها رجاء:

- دكتوره! النساء تنتظرن!

دون ان تلتفت وراءها، ردت بأعلى صوتها:

- فلتنادي لهن طبيبة نساء.

تمت